سورة يوسف · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { لقد كان في يوسف وإخوته آيات } أي: عبر وأدلة على كثير من المطالب الحسنة، { للسائلين } أي: لكل من سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال، فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعبر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات، ولا في القصص والبينات. { إذ قالوا } فيما بينهم: { ليوسف وأخوه } بنيامين، أي: شقيقه، وإلا فكلهم إخوة. { أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة } أي: جماعة، فكيف يفضلهما علينا بالمحبة والشفقة، { إن أبانا لفي ضلال مبين } أي: لفي خطأ بين، حيث فضلهما علينا من غير موجب نراه، ولا أمر نشاهده. { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا } أي: غيبوه عن أبيه في أرض بعيدة لا يتمكن من رؤيته فيها. فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين { يخل لكم وجه أبيكم } أي: يتفرغ لكم، ويقبل عليكم بالشفقة والمحبة، فإنه قد اشتغل قلبه بيوسف شغلا لا يتفرغ لكم، { وتكونوا من بعده } أي: من بعد هذا الصنيع { قوما صالحين } أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرون من بعد ذنبكم. فقدموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطا من بعضهم لبعض.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يوسف ٧–٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر. ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} [البقرة: 136] ، وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب؛ يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم. {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم} يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم، ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض من الأراضي -تستريحوا منه، وتختلوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من (1) بعد إعدامه قوما صالحين. فأضمروا التوبة قبل الذنب. {قال قائل منهم} قال قتادة، ومحمد بن إسحاق: كان أكبرهم واسمه روبيل. وقال السدي: الذي قال ذلك يهوذا. وقال مجاهد: هو شمعون {لا تقتلوا يوسف} أي: لا تصلوا (2) في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم (3) سبيل إلى قتله؛ لأن الله تعالى كان يريد منه أمرا لا بد من إمضائه وإتمامه، من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب، وهو أسفله. قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس. {يلتقطه بعض السيارة} أي: المارة من المسافرين، فتستريحوا بهذا، ولا حاجة إلى قتله. {إن كنتم فاعلين} أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم، من قطيعة الرحم، وعقوق
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٧٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
شغله بيوسف، فإنه قد شغله عنا وصرف وجهه عنا إليه. {وتكونوا من بعده قوما صالحين} [يوسف: 9] يعنون أنهم يتوبون من قتلهم يوسف، وذنبهم الذي يركبونه فيه، فيكونون بتوبتهم من قتله من بعد هلاك يوسف قوما صالحين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، " {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما PageEndV13P020 صالحين} [يوسف: 9] قال: تتوبون مما صنعتم، أو من صنيعكم "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٩) ↗التحرير والتنوير
قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون [سورة يوسف: 14] ، وتكون جملة إن أبانا تعليلا للإغراء وتفريعا عليه. و «العصبة: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل أسماء الجماعات، ويقال: العصابة. قال جمهور اللغويين: تطلق العصبة على الجماعة من عشرة إلى أربعين» . وعن ابن عباس أنها من ثلاثة إلى عشرة، وذهب إليه بعض أهل اللغة وذكروا أن في مصحف حفصة قوله تعالى: «إن الذين جاو بالإفك عصبة أربعة منكم» . وكان أبناء يعقوب- عليه السلام- اثني عشر، وهم الأسباط. وقد تقدم الكلام عليهم عند قوله تعالى: أم يقولون إن إبراهيم الآية في سورة البقرة [140] . والضلال إخطاء مسلك الصواب. وإنما: أراد وأخطأ التدبير للعيش لا الخطأ في الدين والاعتقاد. والتخطئة في أحوال الدنيا لا تنافي الاعتراف للمخطىء بالنبوءة. [9] 9] اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) جملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن الكلام المتقدم يثير سؤالا في نفوس السامعين عن غرض القائلين مما قالوه فهذا المقصود للقائلين. وإنما جعلوا له الكلام السابق كالمقدمة لتتأثر نفوس السامعين فإذا ألقي إليها المطلوب كانت سريعة الامتثال إليه. وهذا فن من صناعة الخطابة أن يفتتح الخطيب كلامه بتهيئة نفوس السامعين لتتأثر بالغرض المطلوب. فإن حالة تأثر النفوس تغني عن الخطيب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٢٢) ↗