سورة يوسف · الآية ٨٢
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم { خلصوا نجيا } أي: اجتمعوا وحدهم، ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون فيما بينهم، ف { قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله } في حفظه، وأنكم تأتون به إلا أن يحاط بكم { ومن قبل ما فرطتم في يوسف } فاجتمع عليكم الأمران، تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق، فليس لي وجه أواجه به أبي. { فلن أبرح الأرض } أي: سأقيم في هذه الأرض ولا أزال بها { حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي } أي: يقدر لي المجيء وحدي، أو مع أخي { وهو خير الحاكمين } ثم وصاهم بما يقولون لأبيهم، فقال: { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك سرق } أي: وأخذ بسرقته، ولم يحصل لنا أن نأتيك به، مع ما بذلنا من الجهد في ذلك. والحال أنا ما شهدنا بشيء لم نعلمه، وإنما شهدنا بما علمنا، لأننا رأينا الصواع استخرج من رحله، { علمنا وما كنا للغيب حافظين } أي: لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا المجهود في ذهابه معنا، ولما أعطيناك عهودنا ومواثيقنا، فلم نظن أن الأمر سيبلغ ما بلغ، { وسئل } إن شككت في قولنا { القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها } فقد اطلعوا على ما أخبرناك به { وإنا لصادقون } لم نكذب ولم نغير ولم نبدل، بل هذا الواقع. فلما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بهذا الخبر، اشتد حزنه وتضاعف كمده، واتهمهم أيضا في هذه القضية، كما اتهمهم في الأولى، و { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل } أي: ألجأ في ذلك إلى الصبر الجميل، الذي لا يصحبه تسخط ولا جزع، ولا شكوى للخلق، ثم لجأ إلى حصول الفرج لما رأى أن الأمر اشتد، والكربة انتهت فقال: { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } أي: يوسف و " بنيامين " ، وأخوهم الكبير الذي أقام في مصر. { إنه هو العليم } الذي يعلم حالي، واحتياجي إلى تفريجه ومنته، واضطراري إلى إحسانه، { الحكيم } الذي جعل لكل شيء قدرا، ولكل أمر منتهى، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
بقتله، قال لهم: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله} لتردنه إليه، فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه، {فلن أبرح الأرض} أي: لن أفارق هذه البلدة، {حتى يأذن لي أبي} في الرجوع إليه راضيا عني، {أو يحكم الله لي} قيل: بالسيف. وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخي، {وهو خير الحاكمين} (1) . ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع، حتى يكون عذرا لهم عنده ويتنصلوا إليه، ويبرءوا مما وقع بقولهم. وقوله: {وما كنا للغيب حافظين} قال عكرمة وقتادة: ما [كنا] (2) نعلم أن ابنك سرق (3) . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه يسرق (4) له شيئا، إنما سألنا (5) ما جزاء السارق؟ {واسأل القرية التي كنا فيها} قيل: المراد مصر. قاله قتادة، وقيل: غيرها، {والعير التي أقبلنا فيها} أي: التي رافقناها، عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا، {وإنا لصادقون} فيما أخبرناك به، من أنه سرق وأخذوه بسرقته. قال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} قال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما يجري اتهمهم، وظن أنها كفعلتهم بيوسف {قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} (6) . وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم (7) هذا مرتبا على فعلهم الأول، سحب (8) حكم الأول عليه، وصح قوله: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} ثم ترجى (9) من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف وأخاه بنيامين، وروبيل الذي أقام بديار
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٠٤) ↗