سورة يوسف · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
واعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يذكر في الإسرائيليات التي لا يعرف لها سند ولا ناقل وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومكمل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحا، فإن تضاعيف هذه السورة قد ملئت في كثير من التفاسير، من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصه الله تعالى بشيء كثير. فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ينقل. فقوله تعالى: { إذ قال يوسف لأبيه } يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام: { يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } فكانت هذه الرؤيا مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام من الارتفاع في الدنيا والآخرة. وهكذا إذا أراد الله أمرا من الأمور العظام قدم بين يديه مقدمة، توطئة له، وتسهيلا لأمره، واستعدادا لما يرد على العبد من المشاق، لطفا بعبده، وإحسانا إليه، فأولها يعقوب بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكراما وإعظاما، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض. وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب، الذين سجدوا له وصاروا تبعا له فيها، ولهذا قال: { وكذلك يجتبيك ربك } أي: يصطفيك ويختارك بما يمن به عليك من الأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة، { ويعلمك من تأويل الأحاديث } أي: من تعبير الرؤيا، وبيان ما تؤول إليه الأحاديث الصادقة، كالكتب السماوية ونحوها، { ويتم نعمته عليك } في الدنيا والآخرة، بأن يؤتيك في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، { كمآ أتمهآ على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق } حيث أنعم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربك. يقول: كما أراك ربك الكواكب والشمس والقمر لك سجودا، فكذلك يصطفيك ربك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/١٥) ↗التحرير والتنوير
المناسب لكماله الذي يبعثه على طاعة أمر أبيه. ووقع في الإسرائيليات أنه قصها عليهم فحسدوه. [6] 6] وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) عطف هذا الكلام على تحذيره من قص الرؤيا على إخوته إعلاما له بعلو قدره ومستقبل كماله، كي يزيد تمليا من سمو الأخلاق فيتسع صدره لاحتمال أذى إخوته، وصفحا عن غيرتهم منه وحسدهم إياه ليتمحض تحذيره للصلاح، وتنتفي عنه مفسدة إثارة البغضاء ونحوها، حكمة نبوية عظيمة وطبا روحانيا ناجعا. والإشارة في قوله: وكذلك إلى ما دلت عليه الرؤيا من العناية الربانية به، أي ومثل ذلك الاجتباء يجتبيك ربك في المستقبل، والتشبيه هنا تشبيه تعليل لأنه تشبيه أحد المعلولين بالآخر لاتحاد العلة. وموقع الجار والمجرور موقع المفعول المطلق ل يجتبيك المبين لنوع الاجتباء ووجهه. والاجتباء: الاختيار والاصطفاء. وتقدم في قوله تعالى: واجتبيناهم في سورة الأنعام [87] ، أي اختياره من بين إخوته، أو من بين كثير من خلقه. وقد علم يعقوب- عليه السلام- ذلك بتعبير الرؤيا ودلالتها على رفعة شأنه في المستقبل فتلك إذا ضمت إلى ما هو عليه من الفضائل آلت إلى اجتباء الله إياه، وذلك يؤذن بنبوءته. وإنما علم يعقوب- عليه السلام- أن رفعة يوسف- عليه السلام- في مستقبله رفعة إلهية لأنه علم أن نعم الله تعالى متناسبة فلما كان ما ابتدأه به من النعم اجتباء وكمالا نفسيا تعين أن يكون ما يلحق بها، من نوعها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢١٥) ↗