سورة يوسف · الآية ٥٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وقال الملك } لمن عنده { ائتوني به } أي: بيوسف عليه السلام، بأن يخرجوه من السجن ويحضروه إليه، فلما جاء يوسف الرسول وأمره بالحضور عند الملك، امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى تتبين براءته التامة، وهذا من صبره وعقله ورأيه التام. ف { قال } للرسول: { ارجع إلى ربك } يعني به الملك. { فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } أي: اسأله ما شأنهن وقصتهن، فإن أمرهن ظاهر متضح { إن ربي بكيدهن عليم }. فأحضرهن الملك، وقال: { ما خطبكن } أي: شأنكن { إذ راودتن يوسف عن نفسه } فهل رأيتن منه ما يريب؟. فبرأنه و { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء } أي: لا قليل ولا كثير، فحينئذ زال السبب الذي تنبني عليه التهمة، ولم يبق إلا ما عند امرأة العزيز، ف { قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق } أي: تمحض وتبين، بعد ما كنا ندخل معه من السوء والتهمة، ما أوجب له السجن { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } في أقواله وبراءته، { ذلك } الإقرار، الذي أقررت [أني راودت يوسف]، { ليعلم أني لم أخنه بالغيب }. يحتمل أن مرادها بذلك زوجها أي: ليعلم أني حين أقررت أني راودت يوسف، أني لم أخنه بالغيب، أي: لم يجر مني إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه، ويحتمل أن المراد بذلك ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الذي راودته، وأنه صادق أني لم أخنه في حال غيبته عني، { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } فإن كل خائن، لا بد أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بد أن يتبين أمره. ثم لما كان في هذا الكلام نوع تزكية لنفسها، وأنه لم يجر منها ذنب في شأن يوسف، استدركت فقالت: { ومآ أبرىء نفسي } أي: من المراودة والهم، والحرص الشديد، والكيد في ذلك { إن النفس لأمارة بالسوء } أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب، فإنها مركب الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان { إلا ما رحم ربي } فنجاه من نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
خزائن (1) الأرض، وهي الأهرام التي (2) يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، ليتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه، وتكرمة له؛ ولهذا قال تعالى: يقول تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} أي: أرض مصر، {يتبوأ منها حيث يشاء} قال السدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتصرف فيها كيف يشاء. وقال ابن جرير: يتخذ منها منزلا حيث يشاء (3) بعد الضيق والحبس والإسار. {نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} أي: وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته، وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز؛ فلهذا أعقبه الله عز وجل السلامة والنصر والتأييد، {ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} يخبر تعالى أن ما ادخره (4) الله لنبيه يوسف، عليه السلام، في الدار الآخرة أعظم وأكثر (5) وأجل، مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا كما قال تعالى في حق سليمان، عليه السلام: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} [ص: 39، 40] . والغرض أن يوسف، عليه السلام، ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر، مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته، وأسلم الملك على يدي يوسف، عليه السلام. قاله مجاهد. وقال محمد بن إسحاق لما قال يوسف للملك: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} قال الملك: قد فعلت. فولاه فيما ذكروا عمل إطفير (6) وعزل إطفير (7) عما كان عليه، يقول الله عز وجل: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} فذكر لي -والله أعلم -أن إطفير (8) هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة إطفير (9) راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة، ناعمة في ملك ودنيا، وكان …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والأحلام غير عوازب وهذا من يوسف صلوات الله عليه مسألة منه للملك أن يوليه أمر طعام بلده وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك به فيما بلغني كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {اجعلني على خزائن الأرض} [يوسف: 55] قال: كان لفرعون خزائن غير الطعام، قال: فأسلم سلطانه كله إليه، وجعل القضاء إليه، أمره وقضاؤه نافذ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبي، في قوله: {اجعلني على خزائن الأرض} [يوسف: 55] قال: على حفظ الطعام
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٢١٨) ↗التحرير والتنوير
وحقيقة الرزق: ما به النفع، ويطلق على الطعام كقوله: وجد عندها رزقا [سورة آل عمران: 37] أي طعاما، وقوله في سورة الأعراف [50] أو مما رزقكم الله، وقوله: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا [سورة مريم: 62] . ويطلق على الإنفاق المتعارف كقوله: وارزقوهم فيها واكسوهم [سورة النساء: 5] . ومن هنا يطلق على العطاء الموقت، يقال: كان بنو فلان من مرتزقة الجند، ورزق الجند كذا كل يوم. وضمير بتأويله عائد إلى ما عاد إليه ضمير بتأويله [سورة يوسف: 36] الأول، وهو المرئي أو المنام. ولا ينبغي أن يعود إلى طعام إذ لا يحسن إطلاق التأويل عن الأنباء بأسماء أصناف الطعام خلافا لما سلكه جمهور المفسرين. والاستثناء في قوله: إلا نبأتكما بتأويله استثناء من أحوال متعددة تناسب الغرض، وهي حال الإنباء بتأويل الرؤيا وحال عدمه، أي لا يأتي الطعام المعتاد إلا في حال أني قد نبأتكما بتأويل رؤياكما، أي لا في حال عدمه. فالقصر المستفاد من الاستثناء إضافي. وجردت جملة الحال من الواو (وقد) مع أنها ماضية اكتفاء بربط الاستثناء كقوله تعالى: ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم [سورة التوبة: 121] . وجملة ذلكما مما علمني ربي استئناف بياني، لأن وعده بتأويل الرؤيا في وقت قريب يثير عجب السائلين عن قوة علمه وعن الطريقة التي حصل بها هذا العلم، فيجيب بأن ذلك مما علمه الله تخلصا إلى دعوتهما للإيمان بإله واحد. وكان القبط مشركين يدينون بتعدد الآلهة. وقوله: مما علمني ربي إيذان بأنه علمه علوما أخرى، وهي علوم الشريعة والحكمة والاقتصاد والأمانة كما قال: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [سورة يوسف: 55] . وزاد في الاستيناف البياني جملة إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله لأن الإخبار بأن الله علمه التأويل وعلوما أخرى مما يثير السؤال عن وسيلة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٧١) ↗