سورة يوسف · الآية ١٥
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعد ما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحرجة، { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبار عن أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر، ففيه بشارة له، بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض. { وجآءوا أباهم عشآء يبكون } ليكون إتيانهم متأخرا عن عادتهم، وبكاؤهم دليلا لهم، وقرينة على صدقهم، فقالوا - متعذرين بعذر كاذب -، { يأبانآ إنا ذهبنا نستبق } إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، { وتركنا يوسف عند متاعنا } توفيرا له وراحة، { فأكله الذئب } في حال غيبتنا عنه في استباقنا { ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا لما في قلبك من الحزن على يوسف، والرقة الشديدة عليه. ولكن عدم تصديقك إيانا، لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي، وكل هذا تأكيد لعذرهم، { و } مما أكدوا به قولهم، أنهم { وجآءوا على قميصه بدم كذب } زعموا أنه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدقهم أبوهم بذلك، و { قال }: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه، لأنه رأى من القرائن والأحوال [ومن رؤيا يوسف التي قصها عليه] ما دله على ما قال. { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } أي: أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرا جميلا، سالما من السخط والتشكي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى إلى خالقه في قوله: إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله [يوسف: 86] لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل، لأن النبي إذا وعد وفى.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يوسف ١٥–١٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: فلما ذهب (1) به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك، {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} هذا فيه تعظيم لما فعلوه أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراما له، وبسطا وشرحا لصدره، وإدخالا للسرور عليه، فيقال: إن يعقوب (2) عليه السلام، لما بعثه معهم ضمه إليه، وقبله ودعا له. وقال (3) السدي وغيره: إنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له، إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول، من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه، فجعل إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه، يقال لها: "الراغوفة" (4) فقام فوقها. قال الله تعال: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} يقول تعالى ذاكرا لطفه ورحمته وعائدته (5) وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق، تطييبا لقلبه، وتثبيتا له: إنك لا تحزن مما (6) أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجا ومخرجا حسنا، وسينصرك الله عليهم، ويعليك ويرفع درجتك، وستخبرهم (7) بما فعلوا معك من هذا الصنيع. وقوله: {وهم لا يشعرون} -قال [مجاهد و] (8) قتادة: {وهم لا يشعرون} بإيحاء الله إليه. وقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك، ولا يستشعرون بك، كما قال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء بالصواع، فوضعه على يده، ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام: أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له "يوسف"، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يجعلوه في غيابت الجب}
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٢٩) ↗التحرير والتنوير
فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) تفريع حكاية الذهاب به والعزم على إلقائه في الجب على حكاية المحاورة بين يعقوب- عليه السلام- وبنيه في محاولة الخروج بيوسف- عليه السلام- إلى البادية يؤذن بجمل محذوفة فيها ذكر أنهم ألحوا على يعقوب- عليه السلام- حتى أقنعوه فأذن ليوسف- عليه السلام- بالخروج معهم، وهو إيجاز. والمعنى: فلما أجابهم يعقوب- عليه السلام- إلى ما طلبوا ذهبوا به وبلغوا المكان الذي فيه الجب. وفعل (أجمع) يتعدى إلى المفعول بنفسه. ومعناه: صمم على الفعل، فقوله: أن يجعلوه هو مفعول وأجمعوا. وجواب (لما) محذوف دل عليه أن يجعلوه في غيابت الجب، والتقدير: جعلوه في الجب. ومثله كثير في القرآن. وهو من الإيجاز الخاص بالقرآن فهو تقليل في اللفظ لظهور المعنى. وجملة وأوحينا إليه معطوفة على جملة وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب، لأن هذا الموحى من مهم عبر القصة. وقيل: الواو مزيدة وجملة أوحينا هو جواب (لما) ، وقد قيل بمثل ذلك في قوله امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... ... البيت. وقيل به في قوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم [سورة الصافات: 103، 104] الآية وفي جميع ذلك نظر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٢٣٣) ↗