سورة يوسف · الآية ١٠٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ومآ أكثر الناس ولو حرصت } على إيمانهم { بمؤمنين } فإن مداركهم ومقاصدهم قد أصبحت فاسدة، فلا ينفعهم حرص الناصحين عليهم ولو عدمت الموانع، بأن كانوا يعلمونهم ويدعونهم إلى ما فيه الخير لهم، ودفع الشر عنهم، من غير أجر ولا عوض، ولو أقاموا لهم من الشواهد والآيات الدالات على صدقهم ما أقاموا. ولهذا قال: { وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين } يتذكرون به ما ينفعهم ليفعلوه، وما يضرهم ليتركوه. { وكأين } أي: وكم { من آية في السموت والأرض يمرون عليها } دالة لهم على توحيد الله { وهم عنها معرضون }. ومع هذا إن وجد منهم بعض الإيمان فلا { يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } فهم وإن أقروا بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، فإنهم يشركون في ألوهية الله وتوحيده، فهؤلاء الذين وصلوا إلى هذه الحال لم يبق عليهم إلا أن يحل بهم العذاب، ويفجأهم العقاب وهم آمنون، ولهذا قال: { أفأمنوا } أي: الفاعلون لتلك الأفعال، المعرضون عن آيات الله { أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } أي: عذاب يغشاهم ويعمهم ويستأصلهم، { أو تأتيهم الساعة بغتة } أي: فجأة { وهم لا يشعرون } أي: فإنهم قد استوجبوا لذلك، فليتوبوا إلى الله، ويتركوا ما يكون سببا في عقابهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يوسف ١٠٣–١٠٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن [غفلة] (1) أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده، بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات وحدائق وجنات وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات، في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية ذي الأسماء والصفات. وقوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال ابن عباس: من إيمانهم، إذا قيل لهم: من خلق السموات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: "الله"، وهم مشركون به. وكذا قال مجاهد، وعطاء وعكرمة، والشعبي، وقتادة، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهكذا في الصحيحين (2) أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وفي الصحيح: أنهم كانوا إذا قالوا: "لبيك لا شريك لك" يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد قد"، أي حسب حسب، لا تزيدوا على هذا (3) . وقال الله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] وهذا هو الشرك الأعظم الذي يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين. عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" (4) . وقال الحسن البصري في قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} قال: ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذاك، يعني قوله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] . وثم شرك آخر خفي لا يشعر به غالبا فاعله، كما روى حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيرا فقطعه -أو: انتزعه -ثم قال: {وما يؤمن أكثرهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) عطف على جملة وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [يوسف: 103] ، أي ليس إعراضهم عن آية حصول العلم للأمي بما في الكتب السالفة فحسب بل هم معرضون عن آيات كثيرة في السماوات والأرض. وكأين اسم يدل على كثرة العدد المبهم يبينه تمييز مجرور ب من. وقد تقدم عند قوله تعالى: وكأين من نبيء قاتل معه ربيون كثير في سورة آل عمران [146] . والآية: العلامة، والمراد هنا الدالة على وحدانية الله تعالى بقرينة ذكر الإشراك بعدها. ومعنى يمرون عليها يرونها، والمرور مجاز مكني به عن التحقق والمشاهدة إذ لا يصح حمل المرور على المعنى الحقيقي بالنسبة لآيات السماوات، فالمرور هنا كالذي في قوله تعالى: وإذا مروا باللغو مروا كراما [الفرقان: 72] . وضمير يمرون عائد إلى الناس من قوله تعالى: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين. وجملة وما يؤمن أكثرهم بالله في موضع الحال من ضمير يمرون أي وما يؤمن أكثر الناس إلا وهم مشركون، والمراد ب أكثر الناس أهل الشرك من العرب. وهذا إبطال لما يزعمونه من الاعتراف بأن الله خالقهم كما في قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، وبأن إيمانهم بالله كالعدم لأنهم لا يؤمنون بوجود الله إلا في تشريكهم معه غيره في الإلهية. والاستثناء من عموم الأحوال، فجملة وهم مشركون حال من أكثرهم. والمقصود من هذا تشنيع حالهم. والأظهر أن يكون هذا من قبيل تأكيد الشيء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٣/٦٣) ↗