سورة المسد · الآية ٤
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… والطبراني بهذا اللفظ (2) . فقوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب} أي: خسرت وخابت، وضل عمله وسعيه، {وتب} أي: وقد تب تحقق خسارته وهلاكه. وقوله: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} قال ابن عباس وغيره: {وما كسب} يعني: ولده. وروي عن عائشة، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، مثله. وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إذا كان ما يقول ابن أخي حقا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي، فأنزل الله: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} . وقوله: {سيصلى نارا ذات لهب} أي: ذات شرر ولهيب وإحراق شديد. {وامرأته حمالة الحطب} وكانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي: أم جميل، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان. وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده؛ فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم. ولهذا قال: {حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد} يعني: تحمل الحطب فتلقي على زوجها، ليزداد على ما هو فيه، وهي مهيأة لذلك مستعدة له. {في جيدها حبل من مسد} قال مجاهد، وعروة: من مسد النار. وعن مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والثوري، والسدي: {حمالة الحطب} كانت تمشي بالنميمة، [واختاره ابن جرير] (3) . وقال العوفي عن ابن عباس، وعطية الجدلي، والضحاك، وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختاره ابن جرير. قال ابن جرير: وقيل: كانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر، وكانت تحتطب، فعيرت بذلك. كذا حكاه، ولم يعزه إلى أحد. والصحيح الأول، والله أعلم. قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد، يعني: فأعقبها الله بها حبلا في جيدها من مسد النار.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٥١٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قوله: {تبت يدا أبي لهب} [المسد: 1] دعاء عليه من الله. وأما قوله: {وتب} [البقرة: 128] فإنه خبر. ويذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «تبت يدا أبي لهب وقد تب» . وفي دخول قد فيه دلالة على أنه خبر، ويمثل ذلك بقول القائل، لآخر: أهلكك الله، وقد أهلكك، وجعلك صالحا وقد جعلك. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {تبت يدا أبي لهب} [المسد: 1] قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٧١٤) ↗التحرير والتنوير
شواه، ثم جاء منه صلي كأفعال الإحساس مثل فرح ومرض. ونصب نارا على نزع الخافض. ووصف النار ب ذات لهب لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وبين كفره إذ هو أبو لهب والنار ذات لهب. وهو ما تقدم الإيماء إليه بذكر كنيته كما قدمناه آنفا، وفي وصف النار بذلك زيادة كشف لحقيقة النار وهو مثل التأكيد. وبين لفضي لهب الأول ولهب الثاني الجناس التام. [4، 5] وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5) أعقب ذم أبي لهب ووعيده بمثل ذلك لامرأته لأنها كانت تشاركه في أذى النبيء صلى الله عليه وسلم وتعينه عليه. وامرأته: أي زوجه، قال تعالى في قصة إبراهيم: وامرأته قائمة [هود: 71] وفي قصة لوط: إلا امرأته كانت من الغابرين [الأعراف: 83] وفي قصة نسوة يوسف: امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه [يوسف: 30] . وامرأة أبي لهب هي أم جميل، واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وقيل: اسمها العوراء، فقيل هو وصف وأنها كانت عوراء، وقيل: اسمها، وذكر بعضهم: أن اسمها العواء بهمزة بعد الواو. وكانت أم جميل هذه تحمل حطب العضاه والشوك فتضعه في الليل في طريق النبيء صلى الله عليه وسلم الذي يسلك منه إلى بيته ليعقر قدميه. فلما حصل لأبي لهب وعيد مقتبس من كنيته جعل لامرأته وعيد مقتبس لفظه من فعلها وهو حمل الحطب في الدنيا، فأنذرت بأنها تحمل الحطب في جهنم ليوقد به على زوجها، وذلك خزي لها ولزوجها إذ جعل شدة عذابه على يد أحب الناس إليه، وجعلها سببا لعذاب أعز الناس عليها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٦٠٥) ↗