سورة هود · الآية ٩٤
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى مدين أخاهم شعيبا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إلى مدين } القبيلة المعروفة الذين يسكنون مدين، في أدنى فلسطين { أخاهم } في النسب { شعيبا } لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخذ عنه. ف { قال } لهم: { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط. { إني أراكم بخير } أي: بنعمة كثيرة وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله فيزيلها عنكم. { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي: عذابا يحيط بكم، ولا يبقي منكم باقية. { ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي: بالعدل الذي ترضون أن تعطوه، { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي: لا تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخذها بنقص المكيال والميزان. { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل. { بقيت الله خير لكم } أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو لكم، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية، وهو ضار لكم جدا. { إن كنتم مؤمنين } فاعملوا بمقتضى الإيمان، { ومآ أنا عليكم بحفيظ } أي: لست بحافظ لأعمالكم ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا فأبلغكم ما أرسلت به. { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له. ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟! وكذلك لا يوجب قولك لنا: { أن نفعل في أموالنا } ما قلت لنا من وفاء الكيل والميزان، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {كأن لم يغنوا فيها} أي: يعيشوا في دارهم قبل ذلك، {ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود} وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار، وشبيها بهم في الكفر وقطع الطريق، وكانوا عربا شبههم. يقول تعالى مخبرا عن إرسال موسى، عليه السلام، بآياته وبيناته، وحججه ودلائله الباهرة القاطعة إلى فرعون لعنه الله، وهو ملك ديار مصر على أمة القبط، {فاتبعوا أمر فرعون} أي: مسلكه ومنهجه وطريقته في الغي والضلال، {وما أمر فرعون برشيد} أي: ليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال، وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه في الدنيا، وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم، فأوردهم إياها، وشربوا من حياض (1) رداها، وله في ذلك الحظ الأوفر، من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} [المزمل:16] ، وقال تعالى: {فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [النازعات:21 -26] ، وقال تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم المعاد، كما قال تعالى: { [قال] لكل ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] ، (2) وقال تعالى إخبارا عن الكفرة إنهم يقولون في النار: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 67، 68] . وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار" (3) . وقوله: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} أي: أتبعناهم زيادة على ما جازيناهم من عذاب النار لعنة في هذه الحياة الدنيا، {ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} . قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة، فتلك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربهم مع شعيب، من عذابنا الذي بعثنا على قومه، برحمة منا له، ولمن آمن به واتبعه على ما جاءهم به من عند ربهم. وأخذت الذين ظلموا الصيحة من السماء أخمدتهم فأهلكتهم بكفرهم بربهم. وقيل: إن جبريل عليه السلام، صاح بهم صيحة PageEndV12P560 أخرجت أرواحهم من أجسامهم. {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} [هود: 67] على ركبهم وصرعى بأفنيتهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٥٥٩) ↗التحرير والتنوير
استئنافا بيانيا إذ لما فاتحهم بالتهديد كان ذلك ينشىء سؤالا في نفوسهم عما ينشأ على هذا التهديد فيجاب بالتهديد ب سوف تعلمون. ولكونه كذلك كان مساويا للتفريع بالفاء الواقع في آية الأنعام في المآل، ولكنه أبلغ في الدلالة على نشأة مضمون الجملة المستأنفة عن مضمون التي قبلها ففي خطاب شعيب- عليه السلام- قومه من الشدة ما ليس في الخطاب المأمور به النبيء صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام جريا على ما أرسل الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من اللين لهم فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: 159] . وكذلك التفاوت بين معمولي تعلمون فهو هنا غليظ شديد من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وهو هنالك لين من تكون له عاقبة الدار [الأنعام: 135] . ومن استفهام معلق لفعل العلم عن العمل، أي تعلمون جواب هذا السؤال. والعذاب: خزي لأنه إهانة. والارتقاب: الترقب، وهو افتعال من رقبه إذا انتظره. والرقيب هنا فعيل بمعنى فاعل، أي إني معكم راقب، أي كل يرتقب ما يجازيه الله به إن كان كاذبا أو مكذبا. [94، 95] 95] ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) عطف لما جاء أمرنا هنا وفي قوله في قصة عاد ولما جاء أمرنا نجينا هودا [هود: 59] بالواو فيهما وعطف نظيراهما في قصة ثمود فلما جاء أمرنا نجينا صالحا [هود: 66] وفي قصة قوم لوط فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها [هود: 82] لأن قصتي ثمود وقوم لوط كان فيهما تعيين أجل العذاب الذي توعد به النبيئان
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٥٣) ↗