سورة هود · الآية ٧٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } إلى آخر القصة أي: { ولقد جآءت رسلنآ } من الملائكة الكرام، رسولنا { إبراهيم } الخليل { بالبشرى } أي: بالبشارة بالولد، حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمروا على إبراهيم، فيبشروه بإسحاق، فلما دخلوا عليه { قالوا سلاما قال سلام } أي: سلموا عليه، ورد عليهم السلام. ففي هذا مشروعية السلام، وأنه لم يزل من ملة إبراهيم عليه السلام، وأن السلام قبل الكلام، وأنه ينبغي أن يكون الرد أبلغ من الابتداء، لأن سلامهم بالجملة الفعلية الدالة على التجدد، ورده بالجملة الاسمية، الدالة على الثبوت والاستمرار، وبينهما فرق كبير كما هو معلوم في علم العربية. { فما لبث } إبراهيم لما دخلوا عليه { أن جآء بعجل حنيذ } أي: بادر لبيته، فاستحضر لأضيافه عجلا مشويا على الرضف سمينا، فقربه إليهم فقال: ألا تأكلون؟ { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } أي: إلى تلك الضيافة { نكرهم وأوجس منهم خيفة } وظن أنهم أتوه بشر ومكروه، وذلك قبل أن يعرف أمرهم. ف { قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } أي: إنا رسل الله، أرسلنا الله إلى إهلاك قوم لوط. وامرأة إبراهيم { قآئمة } تخدم أضيافه { فضحكت } حين سمعت بحالهم، وما أرسلوا به، تعجبا. { فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب } فتعجبت من ذلك و { قالت يويلتى ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا } فهذان مانعان من وجود الولد { إن هذا لشيء عجيب }. { قالوا أتعجبين من أمر الله } فإن أمره لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصا فيما يدبره ويمضيه لأهل هذا البيت المبارك. { رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت } أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي: الزيادة من خيره وإحسانه، وحلول الخير الإلهي على العبد { عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وجوه قوم [هي] (1) أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم، و [قد] (2) كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا: خل عنا فلنضف (3) الرجال. فجاء بهم، فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته (4) فخرجت امرأته فأخبرت قومها [فقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط] (5) ، فجاءوا (6) يهرعون إليه. وقوله: {يهرعون إليه} أي: يسرعون ويهرولون [في مشيتهم ويجمرون] (7) من فرحهم بذلك [وروي في هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة وشمر بن عطية وسفيان بن عيينة] (8) . وقوله: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} أي: لم يزل هذا من سجيتهم [إلى وقت آخر] (9) حتى أخذوا وهم على ذلك الحال. وقوله: {قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد [للرجال والنساء] (10) ، فأرشدهم إلى ما هو أنفع (11) لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 165، 166] ، وقوله في الآية الأخرى: {قالوا أولم ننهك عن العالمين} [الحجر:70] أي: ألم (12) ننهك عن ضيافة الرجال {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر:71، 72] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} قال (13) مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبي أبو أمته. وكذا روي عن قتادة، وغير واحد. وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحا. وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم، هن بناته، وهو أب لهم (14) ويقال في بعض القراءات (15) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم. وكذا روي عن الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. وقوله: {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي} أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم (16) ، {أليس منكم رجل رشيد} أي: [ليس منكم رجل] (17) فيه خير، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يقال: أهرع الرجل من برد أو غضب أو حمى: إذا أرعد، وهو مهرع إذا كان معجلا حريصا، كما قال الراجز: [البحر الرجز] بمعجلات نحوه مهارع ومنه قول مهلهل: [البحر الوافر] PageEndV12P500 فجاءوا يهرعون وهم أسارى %~% تقودهم على رغم الأنوف وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {يهرعون إليه} [هود: 78] قال: يهرعون، وهو الإسراع في المشي " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، " {وجاءه قومه يهرعون إليه} [هود: 78] قال: يسعون إليه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " فأتوه يهرعون إليه، يقول: سراعا إليه " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {يهرعون إليه} [هود: 78] قال: يسرعون إليه " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {وجاءه قومه يهرعون إليه} [هود: 78] يقول: يسرعون المشي إليه " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وجاءه قومه يهرعون إليه} [هود: 78] قال: يهرولون في المشي "، قال سفيان: {يهرعون إليه} [هود: 78] يسرعون إليه حدثنا سوار بن عبد الله، قال: قال سفيان بن عيينة في قوله: " {يهرعون إليه} [هود: 78] قال: كأنهم يدفعون " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، قال: «أقبلوا يسرعون مشيا بين الهرولة والجمز» حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وجاءه قومه يهرعون إليه} [هود: 78] يقول: مسرعين " PageEndV12P502 …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) أي جاءه بعض قومه. وإنما أسند المجيء إلى القوم لأن مثل ذلك المجيء دأبهم وقد تمالؤوا على مثله، فإذا جاء بعضهم فسيعقبه مجيء بعض آخر في وقت آخر. وهذا من إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها، كقول الحارث بن وعلة الجرمي: قومي هم قتلوا أميمة أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي ويهرعون- بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبني للمفعول- فسروه بالمشي الشبيه بمشي المدفوع، وهو بين الخبب والجمز، فهو لا يكون إلا مبنيا للمفعول لأن أصله مشي الأسير الذي يسرع به. وهذا البناء يقتضي أن الهرع هو دفع الماشي حين مشيه إلا أن ذلك تنوسي، وبقي أهرع بمعنى سار سيرا كسير المدفوع، ولذلك قال جمع من أهل اللغة: إنه من الأفعال التي التزموا فيها صيغة المفعول لأنها في الأصل مسندة إلى فاعل غير معلوم. وفسره في «الصحاح» و «القاموس» بأنه الارتعاد من غضب أو خوف، وعلى الوجهين فجملة يهرعون حال. وقد طوى القرآن ذكر الغرض الذي جاؤوا لأجله مع الإشارة إليه بقوله: ومن قبل كانوا يعملون السيئات فقد صارت لهم دأبا لا يسعون إلا لأجله. وجملة قال يا قوم إلخ مستأنفة بيانيا ناشئا عن جملة وجاءه قومه، إذ قد علم السامع غرضهم من مجيئهم، فهو بحيث يسأل عما تلقاهم به. وبادرهم لوط- عليه السلام- بقوله: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم. وافتتاح الكلام بالنداء وبأنهم قومه ترقيق لنفوسهم عليه، لأنه يعلم تصلبهم في عادتهم الفظيعة كما دل عليه قولهم: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق [هود: 79] ، كما سيأتي.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٢٦) ↗