سورة هود · الآية ٦٠
﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى عاد أخاهم هودا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إلى عاد } وهم القبيلة المعروفة في الأحقاف، من أرض اليمن، { أخاهم } في النسب { هودا } ليتمكنوا من الأخذ عنه والعلم بصدقه. ف { قال } لهم { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون } أي: أمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عما هم عليه من عبادة غير الله، وأخبرهم أنهم قد افتروا على الله الكذب في عبادتهم لغيره، وتجويزهم لذلك، ووضح لهم وجوب عبادة الله، وفساد عبادة ما سواه. ثم ذكر عدم المانع لهم من الانقياد فقال: { يقوم لا أسألكم عليه أجرا } أي: غرامة من أموالكم على ما دعوتكم إليه، فتقولوا: هذا يريد أن يأخذ أموالنا، وإنما أدعوكم وأعلمكم مجانا. { إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون } ما أدعوكم إليه، وأنه موجب لقبوله، منتف المانع عن رده. { ويقوم استغفروا ربكم } عما مضى منكم { ثم توبوا إليه } فيما تستقبلونه بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله تعالى. فإنكم إذا فعلتم ذلك { يرسل السمآء عليكم مدرارا } بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض، ويكثر خيرها. { ويزدكم قوة إلى قوتكم } فإنهم كانوا من أقوى الناس، ولهذا قالوا: من أشد منا قوة [فصلت: 15]؟ فوعدهم أنهم إن آمنوا زادهم قوة إلى قوتهم. { ولا تتولوا } عنه، أي: عن ربكم { مجرمين } أي: مستكبرين عن عبادته، متجرئين على محارمه. ف { قالوا } رادين لقوله: { يهود ما جئتنا ببينة } إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها، فهذه غير لازمة للحق، بل اللازم أن يأتي النبي بآية تدل على صحة ما جاء به، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة تشهد لما قاله بالصحة، فقد كذبوا في ذلك، فإنه ما جاء نبي لقومه إلا وبعث الله على يديه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر. ولو لم يكن له آية، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، والأمر بكل عمل صالح وخلق جميل، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله، والفواحش …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{ولما جاء أمرنا} وهو [ما أرسل الله عليهم من] (1) الريح العقيم [التي لا تمر بشيء إلا جعلته كالرميم] (2) فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى [من بينهم رسولهم] (3) هودا وأتباعه [المؤمنين] (4) من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه. {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم} [أي] (5) كفروا بها، وعصوا رسل الله، وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء، لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به، فعاد كفروا بهود، فنزل كفرهم [به] (6) منزلة من كفر بجميع الرسل، {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} تركوا اتباع رسولهم الرشيد، واتبعوا أمر كل جبار عنيد. فلهذا أتبعوا في هذه الدنيا لعنة من الله ومن عباده المؤمنين كلما ذكروا وينادى عليهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد (7) ، {ألا إن عادا كفروا ربهم [ألا بعدا لعاد قوم هود] } (8) . قال السدي: ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه. يقول تعالى: ولقد أرسلنا {إلى ثمود} وهم الذين كانوا يسكنون (9) مدائن الحجر بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد، فبعث الله منهم (10) {أخاهم صالحا} فأمرهم (11) بعبادة الله وحده [لا شريك له الخالق الرازق] (12) ؛ ولهذا قال: {هو أنشأكم من الأرض} أي: ابتدأ خلقكم منها، [من الأرض التي] (13) خلق منها أباكم آدم، {واستعمركم فيها} أي: جعلكم [فيها] (14) عمارا تعمرونها وتستغلونها، لسالف ذنوبكم، {ثم توبوا إليه} فيما تستقبلونه؛ {إن ربي قريب مجيب} كما قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} الآية [البقرة: 186] . يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح، عليه السلام، وبين قومه، وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم: {قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٣١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود} [هود: 60] يقول: أبعدهم الله من الخير، يقال: كفر فلان ربه وكفر بربه، وشكرت لك وشكرتك. وقيل: إن معنى كفروا ربهم: كفروا نعمة ربهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٤٥٢) ↗التحرير والتنوير
ومتعلق نجينا الأول محذوف، أي من العذاب الدال عليه قوله: ولما جاء أمرنا. وكيفية إنجاء هود- عليه السلام- ومن معه تقدم ذكرها في تفسير سورة الأعراف. والباء في برحمة منا للسببية، فكانت رحمة الله بهم سببا في نجاتهم. والمراد بالرحمة فضل الله عليهم لأنه لو لم يرحمهم لشملهم الاستئصال فكان نقمة للكافرين وبلوى للمؤمنين. وجملة ونجيناهم من عذاب غليظ معطوفة على جملة ولما جاء أمرنا. والتقدير وأيضا نجيناهم من عذاب شديد وهو الإنجاء من عذاب الآخرة وهو العذاب الغليظ. ففي هذا منة ثانية على إنجاء ثان، أي نجيناهم من عذاب الدنيا برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ في الآخرة، ولذلك عطف فعل نجيناهم على نجينا، وهذان الإنجاءان يقابلان جمع العذابين لعاد في قوله: وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة [هود: 60] . وقد ذكر هنا متعلق الإنجاء وحذف السبب عكس ما في الجملة الأولى لظهور أن الإنجاء من عذاب الآخرة كان بسبب الإيمان وطاعة الله كما دل عليه مقابلته بقوله: وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله [هود: 59] . والغليظ حقيقته: الخشن ضد الرقيق، وهو مستعار للشديد. واستعمل الماضي في ونجيناهم في معنى المستقبل لتحقق الوعد بوقوعه. [59، 60] وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) الإشارة ب تلك حاضر في الذهن بسبب ما أجري عليه من الحديث حتى صار كأنه حاضر في الحس والمشاهدة. كقوله تعالى: تلك القرى نقص عليك من أنبائها [الأعراف: 101]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٠٤) ↗