سورة هود · الآية ٥٩
﴿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإلى عاد أخاهم هودا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { إلى عاد } وهم القبيلة المعروفة في الأحقاف، من أرض اليمن، { أخاهم } في النسب { هودا } ليتمكنوا من الأخذ عنه والعلم بصدقه. ف { قال } لهم { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون } أي: أمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عما هم عليه من عبادة غير الله، وأخبرهم أنهم قد افتروا على الله الكذب في عبادتهم لغيره، وتجويزهم لذلك، ووضح لهم وجوب عبادة الله، وفساد عبادة ما سواه. ثم ذكر عدم المانع لهم من الانقياد فقال: { يقوم لا أسألكم عليه أجرا } أي: غرامة من أموالكم على ما دعوتكم إليه، فتقولوا: هذا يريد أن يأخذ أموالنا، وإنما أدعوكم وأعلمكم مجانا. { إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون } ما أدعوكم إليه، وأنه موجب لقبوله، منتف المانع عن رده. { ويقوم استغفروا ربكم } عما مضى منكم { ثم توبوا إليه } فيما تستقبلونه بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله تعالى. فإنكم إذا فعلتم ذلك { يرسل السمآء عليكم مدرارا } بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض، ويكثر خيرها. { ويزدكم قوة إلى قوتكم } فإنهم كانوا من أقوى الناس، ولهذا قالوا: من أشد منا قوة [فصلت: 15]؟ فوعدهم أنهم إن آمنوا زادهم قوة إلى قوتهم. { ولا تتولوا } عنه، أي: عن ربكم { مجرمين } أي: مستكبرين عن عبادته، متجرئين على محارمه. ف { قالوا } رادين لقوله: { يهود ما جئتنا ببينة } إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها، فهذه غير لازمة للحق، بل اللازم أن يأتي النبي بآية تدل على صحة ما جاء به، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة تشهد لما قاله بالصحة، فقد كذبوا في ذلك، فإنه ما جاء نبي لقومه إلا وبعث الله على يديه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر. ولو لم يكن له آية، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، والأمر بكل عمل صالح وخلق جميل، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله، والفواحش …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{ولما جاء أمرنا} وهو [ما أرسل الله عليهم من] (1) الريح العقيم [التي لا تمر بشيء إلا جعلته كالرميم] (2) فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى [من بينهم رسولهم] (3) هودا وأتباعه [المؤمنين] (4) من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه. {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم} [أي] (5) كفروا بها، وعصوا رسل الله، وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء، لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به، فعاد كفروا بهود، فنزل كفرهم [به] (6) منزلة من كفر بجميع الرسل، {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} تركوا اتباع رسولهم الرشيد، واتبعوا أمر كل جبار عنيد. فلهذا أتبعوا في هذه الدنيا لعنة من الله ومن عباده المؤمنين كلما ذكروا وينادى عليهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد (7) ، {ألا إن عادا كفروا ربهم [ألا بعدا لعاد قوم هود] } (8) . قال السدي: ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه. يقول تعالى: ولقد أرسلنا {إلى ثمود} وهم الذين كانوا يسكنون (9) مدائن الحجر بين تبوك والمدينة، وكانوا بعد عاد، فبعث الله منهم (10) {أخاهم صالحا} فأمرهم (11) بعبادة الله وحده [لا شريك له الخالق الرازق] (12) ؛ ولهذا قال: {هو أنشأكم من الأرض} أي: ابتدأ خلقكم منها، [من الأرض التي] (13) خلق منها أباكم آدم، {واستعمركم فيها} أي: جعلكم [فيها] (14) عمارا تعمرونها وتستغلونها، لسالف ذنوبكم، {ثم توبوا إليه} فيما تستقبلونه؛ {إن ربي قريب مجيب} كما قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} الآية [البقرة: 186] . يذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح، عليه السلام، وبين قومه، وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم: {قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٣١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
جبار عنيد} [هود: 59] يعني كل مستكبر PageEndV12P452 على الله، حائد عن الحق لا يذعن له، ولا يقبله، يقال منه: عند عن الحق فهو يعند عنودا، والرجل عاند وعنود، ومن ذلك قيل للعرق الذي ينفجر فلا يرقأ: عرق عاند: أي ضار، ومنه قول الراجز: [البحر الرجز] إني كبير لا أطيق العندا حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} [هود: 59] المشرك "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٤٥٢) ↗التحرير والتنوير
الأرزاق، لأن كل ذلك قوة للأمة يجعلها في غنى عن الأمم الأخرى وقادرة على حفظ استقلالها ويجعل أمما كثيرة تحتاج إليها. وإلى قوتكم متعلق ب يزدكم. وإنما عدي ب إلى لتضمينه معنى يضم. وهذا وعد لهم بصلاح الحال في الدنيا- رضي الله عنهم-. وعطف عليه ولا تتولوا مجرمين تحذيرا من الرجوع إلى الشرك. والتولي: الانصراف. وهو هنا مجاز عن الإعراض. ومجرمين حال من ضمير تتولوا أي متصفين بالإجرام، وهو الإعراض عن قبول أمر الله تعالى. [53- 56] قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56) قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. محاورة منهم لهود- عليه السلام- بجواب عن دعوته، ولذلك جردت الجملة عن العاطف. وافتتاح كلامهم بالنداء يشير إلى الاهتمام بما سيقولونه، وأنه جدير بأن يتنبه له لأنهم نزلوه منزلة البعيد لغفلته فنادوه، فهو مستعمل في معناه الكنائي أيضا. وقد يكون مرادا منه مع ذلك توبيخه ولومه فيكون كناية ثانية، أو استعمال النداء في حقيقته ومجازه. وقولهم: ما جئتنا ببينة بهتان لأنه أتاهم بمعجزات لقوله تعالى: وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم [هود: 59] وإن كان القرآن لم يذكر آية معينة لهود- عليه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٩٧) ↗