سورة هود · الآية ٤٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين } إلى آخر القصة أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين { إلى قومه } يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: { إني لكم نذير مبين } أي: بينت لكم ما أنذرتكم به بيانا زال به الإشكال. { أن لا تعبدوا إلا الله } أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين. { ما نراك إلا بشرا مثلنا } وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة. { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة بزعمهم. وهم في الحقيقة الأشراف وأهل العقول الذين انقادوا للحق، ولم يكونوا كالأراذل الذين يقال لهم الملأ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟ وقولهم: { بادي الرأي } أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية التي تحتاج إلى تأمل وفكر طويل. { وما نرى لكم علينا من فضل } أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، { بل نظنكم كاذبين } وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه. ولهذا { قال } لهم نوح مجاوبا { يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
اللعنة ولهم سوء الدار] } [غافر:51، 52] ، (1) وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون [وإن جندنا لهم الغالبون] } [الصافات:171 -173] ، (2) وقال تعالى: {فاصبر إن العاقبة للمتقين} . يقول تعالى: ولقد أرسلنا، {إلى عاد أخاهم هودا} آمرا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيا لهم (3) عن [عبادة] (4) الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه [على ذلك وأجره] (5) من الله الذي فطره {أفلا تعقلون} من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة (6) . ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون [من الأعمال السابقة] (7) ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره وحفظ [عليه] (8) شأنه [وقوته] (9) ؛ ولهذا قال: {يرسل السماء عليكم مدرارا} [نوح:11] ، و [كما جاء] (10) وفي الحديث: "من لزم (11) الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب". يخبر (1) تعالى [إخبارا عن قوم هود] (2) أنهم قالوا لنبيهم: {ما جئتنا ببينة} أي: بحجة [ولا دلالة] (3) [ولا] (4) وبرهان على ما تدعيه، {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك} أي: بمجرد قولك: "اتركوهم" نتركهم، {وما نحن لك بمؤمنين} [أي] (5) بمصدقين، {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب نهيك عن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٣٢٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أخبار الغيب التي لم تشهدها فتعلمها، {نوحيها إليك} [هود: 49] يقول: نوحيها إليك نحن فنعرفكها {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} [هود: 49] الوحي الذي نوحيه إليك، فاصبر على القيام بأمر الله، وتبليغ رسالته، وما تلقى من مشركي قومك، كما صبر نوح. {إن العاقبة للمتقين} [هود: 49] يقول: إن الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله فأدى فرائضه، واجتنب معاصيه فهم الفائزون بما يؤملون من النعيم في الآخرة والظفر في الدنيا بالطلبة، كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله أن نجاه من
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٤٤١) ↗التحرير والتنوير
تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) استئناف أريد منه الامتنان على النبيء- صلى الله عليه وسلم- والموعظة والتسلية. فالامتنان من قوله: ما كنت تعلمها. والموعظة من قوله: فاصبر إلخ. والتسلية من قوله: إن العاقبة للمتقين. والإشارة ب تلك إلى ما تقدم من خبر نوح- عليه السلام-، وتأنيث اسم الإشارة بتأويل أن المشار إليه القصة. والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر. وأنباء الغيب الأخبار المغيبة عن الناس أو عن فريق منهم. فهذه الأنباء مغيبة بالنسبة إلى العرب كلهم لعدم علمهم بأكثر من مجملاتها، وهي أنه قد كان في الزمن الغابر نبيء يقال له: نوح- عليه السلام- أصاب قومه طوفان، وما عدا ذلك فهو غيب كما أشار إليه قوله: ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، فإنهم لم ينكروا ذلك ولم يدعوا علمه. على أن فيها ما هو غيب بالنسبة إلى جميع الأمم مثل قصة ابن نوح الرابع وعصيانه أباه وإصابته بالغرق، ومثل كلام الرب مع نوح- عليه السلام- عند هبوطه من السفينة، ومثل سخرية قومه به وهو يصنع الفلك، وما دار بين نوح- عليه السلام- وقومه من المحاورة، فإن ذلك كله مما لم يذكر في كتب أهل الكتاب. وجملة من أنباء الغيب- ونوحيها- وما كنت تعلمها أخبار عن اسم الإشارة، أو بعضها خبر وبعضها حال. وضمير أنت تصريح بالضمير المستتر في قوله: تعلمها لتصحيح العطف عليه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٩٢) ↗