سورة هود · الآية ٣٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين } إلى آخر القصة أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين { إلى قومه } يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: { إني لكم نذير مبين } أي: بينت لكم ما أنذرتكم به بيانا زال به الإشكال. { أن لا تعبدوا إلا الله } أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين. { ما نراك إلا بشرا مثلنا } وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة. { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة بزعمهم. وهم في الحقيقة الأشراف وأهل العقول الذين انقادوا للحق، ولم يكونوا كالأراذل الذين يقال لهم الملأ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟ وقولهم: { بادي الرأي } أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية التي تحتاج إلى تأمل وفكر طويل. { وما نرى لكم علينا من فضل } أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، { بل نظنكم كاذبين } وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه. ولهذا { قال } لهم نوح مجاوبا { يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم، فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى (1) مخبرا عنه أنه قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ، {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} [القمر: 10] ، فعند ذلك أوحى الله تعالى إليه: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم. {واصنع الفلك} يعني: السفينة {بأعيننا} أي: بمرأى منا، {ووحينا} أي: وتعليمنا لك ماذا تصنعه، {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} . فقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز (2) الخشب ويقطعه وييبسه، فكان ذلك في مائة سنة، ونجرها في مائة سنة أخرى، وقيل: في أربعين سنة، فالله (3) أعلم. وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا. وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء. وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع، في عرض خمسين. وعن الحسن: طولها ستمائة ذراع وعرضها ثلاثمائة ذراع. وعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع، في عرض ستمائة. وقيل: طولها ألفا ذراع، وعرضها مائة ذراع، فالله أعلم. قالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا، ثلاث طبقات، كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش: والوسطى للإنس: والعليا للطيور. وكان بابها في عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثرا غريبا، من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى أتى (4) إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه، قال (5) أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب (6) حام بن نوح. قال: وضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {الفلك} [هود: 37] : السفينة " وقوله {بأعيننا} [هود: 37] يقول: بعين الله ووحيه كما يأمرك. كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} [هود: 37] وذلك أنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ووحينا} [هود: 37] قال: كما نأمرك " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بأعيننا ووحينا} [هود: 37] كما نأمرك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: " {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} [هود: 37] قال: بعين الله "، PageEndV12P393 قال ابن جريج، قال مجاهد: {ووحينا} [هود: 37] قال: كما نأمرك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: " {بأعيننا ووحينا} [هود: 37] قال: بعين الله ووحيه " وقوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37] يقول تعالى ذكره: ولا تسألني في العفو عن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم من قومك، فأكسبوها تعديا منهم عليها بكفرهم بالله الهلاك بالغرق، إنهم مغرقون بالطوفان. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {ولا تخاطبني} [هود: 37] قال: يقول: ولا تراجعني. قال: تقدم أن لا يشفع لهم عنده "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٩٣) ↗التحرير والتنوير
أوحي إليه هذا. قال الله تعالى حكاية عنه: فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا [نوح: 6، 7] . وتأكيد الفعل ب قد في قوله: من قد آمن للتنصيص على أن المراد من حصل منهم الإيمان يقينا دون الذين ترددوا. [37] واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) لما كان نهيه عن الابتئاس بفعلهم مع شدة جرمهم مؤذنا بأن الله ينتصر له، أعقبه بالأمر بصنع الفلك لتهيئة نجاته ونجاة من قد آمن به من العذاب الذي قدره الله لقومه، كما حكى الله عنه فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر [القمر: 10، 11] الآية، فجملة واصنع الفلك عطف على جملة فلا تبتئس [هود: 36] وهي بذلك داخلة في الموحى به فتدل على أن الله أوحى إليه كيفية صنع الفلك كما دل عليه قوله: ووحينا، ولذلك فنوح- عليه السلام- أول من صنع الفلك ولم يكن ذلك معروفا للبشر، وكان ذلك منذ قرون لا يحصيها إلا الله تعالى، ولا يعتد بما يوجد في الإسرائيليات من إحصاء قرونها. والفلك اسم يستوي فيه المفرد والجمع. وقد تقدم عند قوله تعالى: والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس في سورة البقرة [164] . والباء في بأعيننا للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير (اصنع) . والأعين استعارة للمراقبة والملاحظة. وصيغة الجمع في بأعيننا بمعنى المثنى، أي بعينينا، كما في قوله: واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا [الطور: 48] . والمراد الكناية بالمعنى المجازي عن لازمه وهو الحفظ من الخلل والخطأ في الصنع.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٦٦) ↗