سورة هود · الآية ٣٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين } إلى آخر القصة أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين { إلى قومه } يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: { إني لكم نذير مبين } أي: بينت لكم ما أنذرتكم به بيانا زال به الإشكال. { أن لا تعبدوا إلا الله } أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين. { ما نراك إلا بشرا مثلنا } وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة. { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة بزعمهم. وهم في الحقيقة الأشراف وأهل العقول الذين انقادوا للحق، ولم يكونوا كالأراذل الذين يقال لهم الملأ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟ وقولهم: { بادي الرأي } أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية التي تحتاج إلى تأمل وفكر طويل. { وما نرى لكم علينا من فضل } أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، { بل نظنكم كاذبين } وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه. ولهذا { قال } لهم نوح مجاوبا { يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي } أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض، لا أنتم ولا غيركم أن يجيرني منه، كقوله: {قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته} [الجن: 22، 23] ، وقال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44 -47] ؛ ولهذا قال هاهنا: {قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم} ، هذا تهديد لهم، ووعيد أكيد، وترهيب شديد. وقوله: {وهو الغفور الرحيم} ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة، أي: ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغفر [لكم] (1) ورحم. وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما} [الفرقان: 5، 6] . وقوله: {قل ما كنت بدعا من الرسل} أي: لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا (2) بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: {قل ما كنت بدعا من الرسل} ما أنا بأول رسول. ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك. وقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: نزل بعدها {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] . وهكذا قال عكرمة، والحسن، وقتادة: إنها منسوخة بقوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ، قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بين الله ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} [الفتح: 5] . هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله هذه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إثمي في افترائي ما افتريت على ربي دونكم، لا تؤاخذون بذنبي ولا إثمي، ولا أؤاخذ بذنبكم. {وأنا بريء مما تجرمون} [هود: 35] يقول: وأنا بريء مما تذنبون، وتأثمون بربكم من افترائكم عليه، PageEndV12P390 ويقال منه: أجرمت إجراما، وجرمت أجرم جرما، كما قال الشاعر: [البحر الوافر] طريد عشيرة ورهين ذنب %~% بما جرمت يدي وجنى لساني
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٨٩) ↗التحرير والتنوير
والإغواء: جعل الشخص ذا غواية، وهي الضلال عن الحق والرشد. وجملة هو ربكم ابتدائية لتعليمهم أن الله ربهم إن كانوا لا يؤمنون بوجود الله، أو لتذكيرهم بذلك إن كانوا يؤمنون بوجوده ويشركون معه ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا. والتقديم في وإليه ترجعون للاهتمام ولرعاية الفاصلة وليس للقصر، لأنهم لا يؤمنون بالبعث أصلا بله أن يزعموا أنهم يحضرون إلى الله وإلى غيره. وتمثلت فيما قصه الله من قصة نوح- عليه السلام- مع قومه صورة واضحة من تفكير أهل العقول السخيفة التي ران عليها الضلال فقلب أفكارها إلى اعوجاج فظيع، وهي الصورة التي تتمثل في الأمم التي لم يثقف عقولها الإرشاد الديني فغلب عليها الانسياق وراء داعي الهوى، وامتلكها الغرور بظن الخطأ صوابا، ومصانعة من تصأصئ عين بصيرته بلائح من النور، من يدعوه إلى إغماضها وعدمت الوازع النفساني فلم تعبأ إلا بالصور المحسوسة ولم تهتم إلا باللذات وحب الذات ولا تزن بمعيار النقد الصحيح خلوص النفوس من دخل النقائص. [35] 35] أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) جملة معترضة بين جملة أجزاء القصة وليست من القصة، ومن جعلها منها فقد أبعد، وهي تأكيد لنظيرها السابق في أول السورة. ومناسبة هذا الاعتراض أن تفاصيل القصة التي لا يعلمها المخاطبون تفاصيل عجيبة تدعو المنكرين إلى أن يتذكروا إنكارهم ويعيدوا ذكره.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/٦٣) ↗