سورة هود · الآية ١١٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى بإقامة الصلاة كاملة { طرفي النهار } أي: أوله وآخره، ويدخل في هذا صلاة الفجر، وصلاتا الظهر والعصر، { وزلفا من اليل } ويدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء، ويتناول ذلك قيام الليل، فإنها مما تزلف العبد وتقربه إلى الله تعالى. { إن الحسنات يذهبن السيئات } أي: فهذه الصلوات الخمس، وما ألحق بها من التطوعات من أكبر الحسنات، وهي: مع أنها حسنات تقرب إلى الله وتوجب الثواب، فإنها تذهب السيئات وتمحوها، والمراد بذلك الصغائر، كما قيدتها الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر " ، بل كما قيدتها الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئتكم وندخلكم مدخلا كريما [النساء: 31]. ذلك لعل الإشارة لكل ما تقدم، من لزوم الاستقامة على الصراط المستقيم وعدم مجاوزته وتعديه، وعدم الركون إلى الذين ظلموا، والأمر بإقامة الصلاة، وبيان أن الحسنات يذهبن السيئات، الجميع { ذكرى للذاكرين } يفهمون بها ما أمرهم الله به ونهاهم، ويمتثلون لتلك الأوامر الحسنة المثمرة للخيرات الدافعة للشرور والسيئات، ولكن تلك الأمور تحتاج إلى مجاهدة النفس والصبر عليها، ولهذا قال: { واصبر } أي: احبس نفسك على طاعة الله، وعن معصيته، وإلزامها لذلك، واستمر ولا تضجر. { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } بل يتقبل الله عنهم أحسن الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، وفي هذا ترغيب عظيم، للزوم الصبر، بتشويق النفس الضعيفة إلى ثواب الله كلما ونت وفترت.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: هود ١١٤–١١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {وزلفا من الليل} قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم: يعني صلاة العشاء. وقال الحسن -في رواية ابن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عنه: {وزلفا من الليل} يعني المغرب والعشاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هما زلفتا (1) الليل: المغرب والعشاء" (2) . وكذا قال مجاهد، ومحمد بن كعب، وقتادة، والضحاك: إنها صلاة المغرب والعشاء. وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء؛ فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمة، وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضا، في قول، والله أعلم. وقوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} يقول: إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني عنه أحد استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر -أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يذنب ذنبا، فيتوضأ ويصلي ركعتين، إلا غفر له" (3) . وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان: أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله يتوضأ، وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه" (4) . وروى الإمام أحمد، وأبو جعفر بن جرير، من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد: أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء أظنه سيكون فيه قدر مد، فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى (5) صلاة الظهر، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يوفره أحوج ما يكون إليه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٦٢٧) ↗التحرير والتنوير
شيئا فانطلق الرجل فأتبعه رجلا فدعاه فتلا عليه وأقم الصلاة طرفي النهار إلى آخر الآية، فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: لا، بل للناس كافة . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرج الترمذي حديثين آخرين: أحدهما عن معاذ بن جبل، والآخر عن أبي اليسر وهو صاحب القصة وضعفهما. والظاهر أن المروي في هذه الآية هو الذي حمل ابن عباس وقتادة على القول بأن هذه الآية مدنية دون بقية هذه السورة لأنه وقع عند البخاري والترمذي قوله: (فأنزلت عليه) فإن كان كذلك كما ذكره الراوي فهذه الآية ألحقت بهذه السورة في هذا المكان لمناسبة وقوع قوله: فاستقم كما أمرت [هود: 112] قبلها وقوله: واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [هود: 115] بعدها. وأما الذين رجحوا أن السورة كلها مكية فقالوا: إن الآية نزلت في الأمر بإقامة الصلوات وإن النبيء صلى الله عليه وسلم أخبر بها الذي سأله عن القبلة الحرام وقد جاء تائبا ليعلمه بقوله: إن الحسنات يذهبن السيئات، فيؤول قول الراوي: فأنزلت عليه، أنه أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب غير الفواحش. ويؤيد ذلك ما في رواية الترمذي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قوله: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأقم الصلاة، ولم يقولا: فأنزل عليه. وقوله: ذلك ذكرى للذاكرين أي تذكرة للذي شأنه أن يذكر ولم يكن شأنه الإعراض عن طلب الرشد والخير، وهذا أفاد العموم نصا. وقوله: ذلك الإشارة إلى المذكور قبله من قوله: فاستقم كما أمرت [هود: 112] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٨١) ↗