البيانابحثاسألالموضوعات

سورة هود · الآية ١١

﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان، أنه جاهل ظالم بأن الله إذا أذاقه منه رحمة كالصحة والرزق، والأولاد، ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم لليأس، وينقاد للقنوط، فلا يرجو ثواب الله، ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها، أو خيرا منها عليه. وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته، أنه يفرح ويبطر، ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، ويقول: { ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور } أي: فرح بما أوتي مما يوافق هوى نفسه، فخور بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على الأشر والبطر والإعجاب بالنفس، والتكبر على الخلق، واحتقارهم وازدرائهم، وأي عيب أشد من هذا؟!! وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضده، وهم الذين صبروا أنفسهم عند الضراء فلم ييأسوا، وعند السراء فلم يبطروا، وعملوا الصالحات من واجبات ومستحبات. { أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم، يزول بها عنهم كل محذور. { وأجر كبير } وهو: الفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: هود ٩–١١) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ذلك، كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم. يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الضر، كقوله: {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} [فصلت: 51] أي: كثير، وهما في معنى واحد؛ وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك، فدعا الله في كشفها وزوالها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه، وفي جميع أحواله، فإذا فرج الله شدته وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذاك شيء، {مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته (1) فقال: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد، فإنه مستثنى من ذلك، كما قال تعالى: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} [هود: 11] ، وكقول (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن (3) لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له"، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. (4) أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية، في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم، وأرسل إليهم رسولا لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله، وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". (5) وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد (6) حدثنا حماد، عن ثابت

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٥٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وذلك هي النعم التي قال الله جل ثناؤه: {ولئن أذقناه نعماء} [هود: 10] وقوله: {بعد ضراء} [يونس: 21] يقول: بعد ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها. {ليقولن ذهب السيئات عني} [هود: 10] يقول تعالى ذكره: ليقولن عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عني، وزالت الشدائد والمكاره. {إنه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٤٠) ↗

التحرير والتنوير

9] ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) عطف على جملة ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة [هود: 8] . فإنه لما ذكر أن ما هم فيه متاع إلى أجل معلوم عند الله. وأنهم بطروا نعمة التمتيع فسخروا بتأخير العذاب، بينت هذه الآية أن أهل الضلالة راسخون في ذلك لأنهم لا يفكرون في غير اللذات الدنيوية فتجري انفعالاتهم على حسب ذلك دون رجاء لتغير الحال، ولا يتفكرون في أسباب النعيم والبؤس وتصرفات خالق الناس ومقدر أحوالهم، ولا يتعظون بتقلبات أحوال الأمم، فشأن أهل الضلالة أنهم إن حلت بهم الضراء بعد النعمة ملكهم اليأس من الخير ونسوا النعمة فجحدوها وكفروا منعمها، فإن تأخير العذاب رحمة وإتيان العذاب نزع لتلك الرحمة، وهذه الجملة في قوة التذييل. فتعريف (الإنسان) تعريف الجنس مراد به الاستغراق، وبذلك اكتسبت الجملة قوة التذييل. فمعيار العموم الاستثناء في قوله تعالى: إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات [هود: 11] كما يأتي، فيكون الاستغراق عرفيا جاريا على اصطلاح القرآن من إطلاق لفظ الإنسان أو الناس، ولأن وصفي ليؤس كفور يناسبان المشركين فيتخصص العام بهم. وقيل التعريف في الإنسان للعهد مراد منه إنسان خاص، فروى الواحدي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. وعنه أنها نزلت في عبد الله بن أبي أمية المخزومي. ويجوز أن يكون المراد كل إنسان إذا حل به مثل ذلك على تفاوت في الناس في هذا اليأس. واللام موطئة للقسم. والإذاقة مستعملة في إيصال الإدراك على وجه المجاز، واختيرت مادة الإذاقة لما تشعر به من إدراك أمر محبوب لأن المرء لا يذوق إلا ما يشتهيه.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٢) ↗