سورة الكافرون · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قل للكافرين معلنا ومصرحا { لا أعبد ما تعبدون } أي: تبرأ مما كانوا يعبدون من دون الله، ظاهرا وباطنا. { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } لعدم إخلاصكم في عبادته، فعبادتكم له المقترنة بالشرك لا تسمى عبادة، ثم كرر ذلك ليدل الأول على عدم وجود الفعل، والثاني على أن ذلك قد صار وصفا لازما. ولهذا ميز بين الفريقين، وفصل بين الطائفتين، فقال: { لكم دينكم ولي دين } كما قال تعالى: قل كل يعمل على شاكلته [الإسراء: 84] أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون [يونس: 41].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الكافرون ١–٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أي: لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛ ولهذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: {لكم دينكم ولي دين} كما قال تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس:41] وقال: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} [القصص: 55] . وقال البخاري: يقال: {لكم دينكم} الكفر، {ولي دين} الإسلام. ولم يقل: "ديني" لأن الآيات بالنون، فحذف الياء، كما قال: {فهو يهدين} [الشعراء: 78] و {يشفين} [الشعراء:80] وقال غيره: لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} [المائدة: 64] . انتهى ما ذكره. (1) ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد، كقوله: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] وكقوله: {لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} [التكاثر: 6، 7] وحكاه بعضهم -كابن الجوزي، وغيره-عن ابن قتيبة، فالله أعلم. فهذه ثلاثة أقوال: أولها ما ذكرناه أولا. الثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: {لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} في الماضي، {ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد} في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض. وثم قول رابع، نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: {لا أعبد ما تعبدون} نفي الفعل لأنها جملة فعلية، {ولا أنا عابد ما عبدتم} نفي قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل، وكونه قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا. وهو قول حسن أيضا، والله أعلم. وقد استدل الإمام أبو عبد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله سنة، على أن يعبد نبي الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفة جوابهم في ذلك: {قل} [البقرة: 80] يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة {يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] بالله {لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 2] من الآلهة والأوثان الآن {ولا أنتم عابدون ما أعبد} [الكافرون: 3] الآن {ولا أنا عابد} [الكافرون: 4] فيما أستقبل {ما عبدتم} [الكافرون: 4] فيما مضى {ولا أنتم عابدون} [الكافرون: 3] فيما تستقبلون أبدا {ما أعبد} [الكافرون: 3] أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه، وحدثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٧٠٢) ↗التحرير والتنوير
السابقة بتمامها بما فيها من واو العطف في نظيرتها السابقة وتكون جملة: ولا أنا عابد ما عبدتم معترضة بين التأكيد والمؤكد. والمقصود من التأكيد تحقيق تكذيبهم في عرضهم أنهم يعبدون رب محمد صلى الله عليه وسلم. [6] لكم دينكم ولي دين (6) تذييل وفذلكة للكلام السابق بما فيه من التأكيدات، وقد أرسل هذا الكلام إرسال المثل وهو أجمع وأوجز من قول قيس بن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف ووقع في «تفسير الفخر» هنا: «جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر فيه ثم يعمل بموجبه» اه. وهذا كلام غير محرر لأن التمثل به لا ينافي العمل بموجبه وما التمثل به إلا من تمام بلاغته واستعداد للعمل به. وهذا المقدار من التفسير تركه الفخر في المسودة. وقدم في كلتا الجملتين المسند على المسند إليه ليفيد قصر المسند إليه على المسند، أي دينكم مقصور على الكون بأنه لكم لا يتجاوزكم إلى الكون لي، وديني مقصور على الكون بأنه لا يتجاوزني إلى كونه لكم، أي لأنهم محقق عدم إسلامهم. فالقصر قصر إفراد، واللام في الموضعين لشبه الملك وهو الاختصاص أو الاستحقاق. والدين: العقيدة والملة، وهو معلومات وعقائد يعتقدها المرء فتجري أعماله على مقتضاها، فلذلك سمي دينا لأن أصل معنى الدين المعاملة والجزاء. وقرأ الجمهور دين بدون ياء بعد النون على أن ياء المتكلم محذوفة للتخفيف مع بقاء الكسرة على النون. وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف. وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف بدون ياء اعتمادا على حفظ الحفاظ لأن الذي يثبت الياء مثل يعقوب يشبع الكسرة إذ ليست الياء إلا مدة للكسرة فعدم رسمها في الخط لا يقتضي إسقاطها في اللفظ.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥٨٤) ↗