سورة الماعون · الآية ٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى ذاما لمن ترك حقوقه وحقوق عباده: { أرأيت الذي يكذب بالدين } أي: بالبعث والجزاء، فلا يؤمن بما جاءت به الرسل. { فذلك الذي يدع اليتيم } أي: يدفعه بعنف وشدة، ولا يرحمه لقساوة قلبه، ولأنه لا يرجو ثوابا، ولا يخشى عقابا. { ولا يحض } غيره { على طعام المسكين } ومن باب أولى أنه بنفسه لا يطعم المسكين، { فويل للمصلين } أي: الملتزمون لإقامة الصلاة، ولكنهم { الذين هم عن صلاتهم ساهون } أي: مضيعون لها، تاركون لوقتها، مفوتون لأركانها، وهذا لعدم اهتمامهم بأمر الله حيث ضيعوا الصلاة، التي هي أهم الطاعات وأفضل القربات، والسهو عن الصلاة، هو الذي يستحق صاحبه الذم واللوم، وأما السهو في الصلاة، فهذا يقع من كل أحد، حتى من النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا وصف الله هؤلاء بالرياء والقسوة وعدم الرحمة، فقال: { الذين هم يرآءون } أي يعملون الأعمال لأجل رئاء الناس. { ويمنعون الماعون } أي: يمنعون إعطاء الشيء، الذي لا يضر إعطاؤه على وجه العارية، أو الهبة، كالإناء، والدلو، والفأس، ونحو ذلك، مما جرت العادة ببذلها والسماحة به. فهؤلاء - لشدة حرصهم - يمنعون الماعون، فكيف بما هو أكثر منه. وفي هذه السورة، الحث على إكرام اليتيم، والمساكين، والتحضيض على ذلك، ومراعاة الصلاة، والمحافظة عليها، وعلى الإخلاص [فيها و] في جميع الأعمال. والحث على [فعل المعروف و] بذل الأمور الخفيفة، كعارية الإناء والدلو والكتاب، ونحو ذلك، لأن الله ذم من لم يفعل ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الماعون ١–٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الله، فهو إذا لم يصل بالكلية. قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] . وقال هاهنا: {الذين هم يراءون} وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه (1) البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في جهنم لواديا (2) تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعد ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد: لحامل كتاب الله. وللمصدق في غير ذات الله، وللحاج إلى بيت الله، وللخارج في سبيل الله". (3) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع الناس بعمله، سمع الله به سامع خلقه، وحقره وصغره". (4) ورواه أيضا عن غندر ويحيى القطان، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن رجل، عن عبد الله ابن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. (5) ومما يتعلق بقوله تعالى: {الذين هم يراءون} أن من عمل عملا لله فاطلع عليه الناس، فأعجبه ذلك، أن هذا لا يعد رياء، والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كنت أصلي، فدخل علي رجل، فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "كتب لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية". (6) قال أبو علي هارون بن معروف: بلغني أن ابن المبارك قال: نعم الحديث للمرائين. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وسعيد بن بشير متوسط، وروايته عن الأعمش عزيزة وقد رواه غيره عنه. قال أبو يعلى أيضا: حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سنان، عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وعقابه، فلا يطيعه في أمره ونهيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٦٥٧) ↗التحرير والتنوير
المخزومي، وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في أبي سفيان بن حرب قبل إسلامه بسبب أنه كان ينحر كل أسبوع جزورا فجاءه مرة يتيم فسأله من لحمها فقرعه بعصا. وقيل: في أبي جهل: كان وصيا على يتيم فأتاه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا شنيعا. والذين جعلوا السورة مدنية قالوا: نزلت في منافق لم يسموه، وهذه أقوال معزو بعضها إلى بعض التابعين ولو تعينت لشخص معين لم يكن سبب نزولها مخصصا حكمها بمن نزلت بسببه. ومعنى يدع يدفع بعنف وقهر، قال تعالى: يوم يدعون إلى نار جهنم دعا [الطور: 13] . والحض: الحث، وهو أن تطلب غيرك فعلا بتأكيد. والطعام: اسم الإطعام، وهو اسم مصدر مضاف إلى مفعوله إضافة لفظية. ويجوز أن يكون الطعام مرادا به ما يطعم كما في قوله تعالى: فانظر إلى طعامك وشرابك [البقرة: 259] فتكون إضافة طعام إلى المسكين معنوية على معنى اللام، أي الطعام الذي هو حقه على الأغنياء ويكون فيه تقدير مضاف مجرور ب (على) تقديره: على إعطاء طعام المسكين. وكني بنفي الحض عن نفي الإطعام لأن الذي يشح بالحض على الإطعام هو بالإطعام أشح كما تقدم في قوله: ولا تحاضون على طعام المسكين في سورة الفجر [18] وقوله: ولا يحض على طعام المسكين في سورة الحاقة [34] . والمسكين: الفقير، ويطلق على الشديد الفقر، وقد تقدم عند قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين في سورة التوبة [60] . [4- 7] فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون (7) موقع الفاء صريح في اتصال ما بعدها بما قبلها من الكلام على معنى التفريع والترتب والتسبب.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥٦٦) ↗