سورة قريش · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، والصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب. فأهلك الله من أرادهم بسوء، وعظم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب، حتى احترموهم، ولم يعترضوا لهم في أي سفر أرادوا، ولهذا أمرهم الله بالشكر، فقال: { فليعبدوا رب هذا البيت } أي: ليوحدوه ويخلصوا له العبادة، { الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } فرغد الرزق والأمن من المخاوف، من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى. فلك اللهم الحمد والشكر على نعمك الظاهرة والباطنة، وخص الله بالربوبية البيت، لفضله وشرفه، وإلا فهو رب كل شيء.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: قريش ١–٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن جرير: الصواب أن "اللام" لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان. (1) ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: {فليعبدوا رب هذا البيت} أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما، كما قال تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين} [النمل:91] وقوله: {الذي أطعمهم من جوع} أي: هو رب البيت، وهو " الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص (2) فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا. ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} [النحل:112-113] وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العدني، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل أمكم، قريش، لإيلاف قريش" (3) ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس-عن عبيد الله ابن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف". هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أم سلمة الأنصارية، رضي الله عنها (4) فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم. آخر تفسير سورة "لإيلاف قريش".
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤٩٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قوله {لإيلاف} [قريش: 1] فقرأه بياء بعد همزة واختلف عنه في قوله {إيلافهم} [قريش: 2] فروي عنه أنه كان يقرؤه: (إلفهم) على أنه مصدر من ألف يألف إلفا، بغير ياء، وحكى بعضهم عنه أنه كان يقرؤه (إلافهم) بغير ياء مقصورة الألف. والصواب من القراءة في ذلك عندي: من قرأه: {لإيلاف قريش إيلافهم} [قريش: 1] بإثبات الياء فيهما بعد الهمزة، من آلفت الشيء أولفه إيلافا، لإجماع الحجة من القراء عليه. وللعرب في ذلك لغتان: آلفت، وألفت، فمن قال: آلفت بمد الألف قال: فأنا أؤالف إيلافا ومن قال: ألفت بقصر الألف قال: فأنا آلف إلفا، وهو رجل آلف إلفا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٦٤٦) ↗التحرير والتنوير
وحوشه ودوابه تقوية لحرمته في النفوس، فكانت الكعبة قياما لكل عربي إذا طرقه ضيم. وكان أهل مكة وحرمها يسيرون في بلاد العرب آمنين لا يتعرض لهم أحد بسوء، فكانوا يتجرون ويدخلون بلاد قبائل العرب، فيأتونهم بما يحتاجونه ويأخذون منهم ما لا يحتاجونه ليبلغوه إلى من يحتاجونه، ولولاهم لما أمكن لتاجر من قبيلة أن يسير في البلاد، فلتعطلت التجارة والمنافع. ولذلك كان قريش يوصفون بين العرب بالتجار، ولأجل ذلك جعلوا رحلتي الشتاء والصيف اللتين قال الله تعالى فيهما: لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف [قريش: 1، 2] . وبذلك كله بقيت أمة العرب محفوظة الجبلة التي أراد الله أن يكونوا مجبولين عليها، فتهيأت بعد ذلك لتلقي دعوة محمد- صلى الله عليه وسلم - وحملها إلى الأمم، كما أراد الله تعالى وتم بذلك مراده. وإذا شئت أن تعدو هذا فقل: إن الكعبة كانت قياما للناس وهم العرب، إذ كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتباع الحنيفية، واستبقت لهم بقية من تلك الحنيفية في مدة جاهليتهم كلها لم يعدموا عوائد نفعها. فلما جاء الإسلام كان الحج إليها من أفضل الأعمال، وبه تكفر الذنوب، فكانت الكعبة من هذا قياما للناس في أمور أخراهم بمقدار ما يتمسكون به مما جعلت الكعبة له قياما. وعطف الشهر الحرام على الكعبة شبه عطف الخاص على العام باعتبار كون الكعبة أريد بها ما يشمل علائقها وتوابعها، فإن الأشهر الحرم ما اكتسبت الحرمة إلا من حيث هي أشهر الحج والعمرة للكعبة كما علمت. فالتعريف في الشهر للجنس كما تقدم في قوله تعالى: ولا الشهر الحرام [المائدة: 2] . ولا وجه لتخصيصه هنا ببعض تلك الأشهر. وكذلك عطف الهدي والقلائد. وكون الهدي قياما للناس ظاهر، لأنه ينتفع ببيعه للحاج أصحاب المواشي من العرب، وينتفع بلحومه من الحاج فقراء العرب، فهو قيام لهم. وكذلك القلائد فإنهم ينتفعون بها فيتخذون من ظفائرها مادة عظيمة للغزل والنسج، فتلك قيام لفقرائهم، ووجه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗