البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة القارعة · الآية ٧

﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ القارعة } من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك، لأنها تقرع الناس وتزعجهم بأهوالها، ولهذا عظم أمرها وفخمه بقوله: { القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس } من شدة الفزع والهول، { كالفراش المبثوث } أي: كالجراد المنتشر، الذي يموج بعضه في بعض، والفراش: هي الحيوانات التي تكون في الليل، يموج بعضها ببعض لا تدري أين توجه، فإذا أوقد لها نار تهافتت إليها لضعف إدراكها، فهذه حال الناس أهل العقول، وأما الجبال الصم الصلاب، فتكون { كالعهن المنفوش } أي: كالصوف المنفوش، الذي بقي ضعيفا جدا، تطير به أدنى ريح، قال تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: 88] ثم بعد ذلك تكون هباء منثورا، فتضمحل ولا يبقى منها شيء يشاهد، فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء، { فأما من ثقلت موازينه } أي: رجحت حسناته على سيئاته { فهو في عيشة راضية } في جنات النعيم. { وأما من خفت موازينه } بأن لم تكن له حسنات تقاوم سيئاته، { فأمه هاوية } أي: مأواه ومسكنه النار، التي من أسمائها الهاوية، تكون له بمنزلة الأم الملازمة كما قال تعالى: إن عذابها كان غراما [الفرقان: 65]. وقيل: إن معنى ذلك، فأم دماغه هاوية في النار، أي: يلقى في النار على رأسه. { ومآ أدراك ما هيه } وهذا تعظيم لأمرها، ثم فسرها بقوله هي: { نار حامية } أي: شديدة الحرارة، قد زادت حرارتها على حرارة نار الدنيا سبعين ضعفا. نستجير بالله منها.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القارعة ١–١١) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… القيامة. وقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى، فقال: سمعت النبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] (3) . وقوله: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} أي: قد كنت موقنا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} [البقرة: 46] . قال الله: {فهو في عيشة راضية} أي: مرضية، {في جنة عالية} أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: "نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم" (4) وقد ثبت في الصحيح: "إن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" (5) . وقوله: {قطوفها دانية} قال البراء بن عازب: أي قريبة، يتناولها أحدهم، وهو نائم على سريره. وكذا قال غير واحد. قال الطبراني: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري] (6) عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري،

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٢١٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

لأن ذلك مدح للعيشة، والعرب تفعل ذلك في المدح والذم فتقول: هذا ليل نائم، وسر كاتم، وماء دافق، فيوجهون الفعل إليه، وهو في الأصل مفعول لما يراد من المدح أو الذم، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب مضروب، ولا للمضروب ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذم.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٣٣) ↗

التحرير والتنوير

الشبه تفرق الأجزاء لأن الجبال تندك بالزلازل ونحوها فتتفرق أجزاء. وإعادة كلمة تكون مع حرف العطف للإشارة إلى اختلاف الكونين فإن أولهما كون إيجاد، والثاني كون اضمحلال، وكلاهما علامة على زوال عالم وظهور عالم آخر. وتقدم قوله تعالى: وتكون الجبال كالعهن في سورة المعارج [9] . [6- 11] فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) تفصيل لما في قوله: يوم يكون الناس كالفراش المبثوث [القارعة: 4] من إجمال حال الناس حينئذ، فذلك هو المقصود بذكر اسم الناس الشامل لأهل السعادة وأهل الشقاء فلذلك كان تفصيله بحالين: حال حسن وحال فظيع. وثقل الموازين كناية عن كونه بمحل الرضى من الله تعالى لكثرة حسناته، لأن ثقل الميزان يستلزم ثقل الموزون وإنما توزن الأشياء المرغوب في اقتنائها، وقد شاع عند العرب الكناية عن الفضل والشرف وأصالة الرأي بالوزن ونحوه، وبضد ذلك يقولون: فلان لا يقام له وزن، قال تعالى: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا [الكهف: 105] ، وقال النابغة: وميزانه في سورة المجد ماتع أي راجح وهذا متبادر في العربية فلذلك لم يصرح في الآية بذكر ما يثقل الموازين لظهور أنه العمل الصالح. وقد ورد ذكر الميزان للأعمال يوم القيامة كثيرا في القرآن، قال ابن العربي في «العواصم» : لم يرد حديث صحيح في الميزان. والمقصود عدم فوات شيء من الأعمال، والله قادر على أن يجعل ذلك يوم القيامة بآلة أو بعمل الملائكة أو نحو ذلك.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥١٣) ↗