البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة القارعة · الآية ٦

﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ القارعة } من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك، لأنها تقرع الناس وتزعجهم بأهوالها، ولهذا عظم أمرها وفخمه بقوله: { القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس } من شدة الفزع والهول، { كالفراش المبثوث } أي: كالجراد المنتشر، الذي يموج بعضه في بعض، والفراش: هي الحيوانات التي تكون في الليل، يموج بعضها ببعض لا تدري أين توجه، فإذا أوقد لها نار تهافتت إليها لضعف إدراكها، فهذه حال الناس أهل العقول، وأما الجبال الصم الصلاب، فتكون { كالعهن المنفوش } أي: كالصوف المنفوش، الذي بقي ضعيفا جدا، تطير به أدنى ريح، قال تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: 88] ثم بعد ذلك تكون هباء منثورا، فتضمحل ولا يبقى منها شيء يشاهد، فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء، { فأما من ثقلت موازينه } أي: رجحت حسناته على سيئاته { فهو في عيشة راضية } في جنات النعيم. { وأما من خفت موازينه } بأن لم تكن له حسنات تقاوم سيئاته، { فأمه هاوية } أي: مأواه ومسكنه النار، التي من أسمائها الهاوية، تكون له بمنزلة الأم الملازمة كما قال تعالى: إن عذابها كان غراما [الفرقان: 65]. وقيل: إن معنى ذلك، فأم دماغه هاوية في النار، أي: يلقى في النار على رأسه. { ومآ أدراك ما هيه } وهذا تعظيم لأمرها، ثم فسرها بقوله هي: { نار حامية } أي: شديدة الحرارة، قد زادت حرارتها على حرارة نار الدنيا سبعين ضعفا. نستجير بالله منها.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القارعة ١–١١) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال ابن زيد: الهاوية: النار، هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: {ومأواهم النار} [آل عمران: 151] . قال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة أنه قال: هي النار، وهي مأواهم. ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية: {وما أدراك ما هيه نار حامية} قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: روحوا أخاكم، فإنه كان في غم الدنيا. قال: ويسألونه: وما فعل فلان (1) ؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية (2) وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا، بأبسط من هذا. وقد أوردناه في كتاب صفة النار، أجارنا (3) الله منها بمنه وكرمه (4) . وقوله: {نار حامية} أي: حارة شديدة الحر، قوية اللهيب والسعير. قال أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزء من نار جهنم". قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. فقال: "إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا" (5) . ورواه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. ورواه مسلم عن قتيبة، عن المغيرة ابن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، به (6) وفي بعض ألفاظه: "أنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها". وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد -وهو ابن سلمة-عن محمد بن زياد-سمع (7) أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: " نار بني آدم التي توقدون، جزء من سبعين جزءا من نار جهنم". فقال رجل: إن كانت لكافية. فقال: "لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فحرا" (8) . تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٤٦٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[القارعة: 1] الساعة التي يقرع قلوب الناس هولها، وعظيم ما ينزل بهم من البلاء عندها، وذلك صبيحة لا ليل بعدها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٤/٥٩٢) ↗

التحرير والتنوير

حصوله إذ كانوا يسألون متى هذا الوعد، ثم توقيته بما هو مجهول لهم إبهاما آخر للتهويل والتحذير من مفاجأته، وأبرز في صورة التوقيت للتشويق إلى البحث عن تقديره، فإذا باء الباحث بالعجز عن أخذ بحيطة الاستعداد لحلوله بما ينجيه من مصائبه التي قرعت به الأسماع في آي كثيرة. فحصل في هذه الآية تهويل شديد بثمانية طرق: وهي الابتداء باسم القارعة، المؤذن بأمر عظيم، والاستفهام المستعمل في التهويل، والإظهار في مقام الإضمار أول مرة، والاستفهام عما ينبىء بكنه القارعة، وتوجيه الخطاب إلى غير معين، والإظهار في مقام الإضمار ثاني مرة، والتوقيت بزمان مجهول حصوله وتعريف ذلك الوقت بأحوال مهولة. والفراش: فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض يركب بعضه بعضا وهو ما في قوله تعالى: يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر [القمر: 7] . وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليلا وهو إطلاق آخر لا يناسب تفسير لفظ الآية هنا به. والمبثوث: المتفرق على وجه الأرض. وجملة: وتكون الجبال كالعهن المنفوش معترضة بين جملة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وجملة: فأما من ثقلت موازينه [القارعة: 6] إلخ. وهو إدماج لزيادة التهويل. ووجه الشبه كثرة الاكتظاظ على أرض المحشر. والعهن: الصوف، وقيل: يختص بالمصبوغ الأحمر، أو ذي الألوان، كما في قول زهير: كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم لأن الجبال مختلفة الألوان بحجارتها ونبتها قال تعالى: ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها [فاطر: 27] . والمنفوش: المفرق بعض أجزائه عن بعض ليغزل أو تحشى به الحشايا، ووجه

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥١٢) ↗