سورة يونس · الآية ٤٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } أي: غير ممكن ولا متصور، أن يفترى هذا القرآن على الله تعالى، لأنه الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] وهو الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وهو كتاب الله الذي تكلم به [رب العالمين]، فكيف يقدر أحد من الخلق أن يتكلم بمثله، أو بما يقاربه، والكلام تابع لعظمة المتكلم ووصفه؟!! فإن كان أحد يماثل الله في عظمته وأوصاف كماله، أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولو تنزلنا على الفرض والتقدير، فتقوله أحد على رب العالمين، لعاجله بالعقوبة وبادره بالنكال. { ولكن } الله أنزل هذا الكتاب رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين. أنزله { تصديق الذي بين يديه } من كتب الله السماوية، بأن وافقها وصدقها بما شهدت به، وبشرت بنزوله، فوقع كما أخبرت. { وتفصيل الكتاب } للحلال والحرام، والأحكام الدينية والقدرية، والإخبارات الصادقة. { لا ريب فيه من رب العالمين } أي: لا شك ولا مرية فيه بوجه من الوجوه، بل هو الحق اليقين: تنزيل من رب العالمين الذي ربى جميع الخلق بنعمه. ومن أعظم أنواع تربيته أن أنزل عليهم هذا الكتاب الذي فيه مصالحهم الدينية والدنيوية، المشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. { أم يقولون } أي: المكذبون به عنادا وبغيا: { افتراه } محمد على الله، واختلقه، { قل } لهم - ملزما لهم بشيء - إن قدروا عليه، أمكن ما ادعوه، وإلا كان قولهم باطلا. { فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } يعاونكم على الإتيان بسورة مثله، وهذا محال، ولو كان ممكنا لادعوا قدرتهم على ذلك، ولأتوا بمثله. ولكن لما بان عجزهم تبين أن ما قالوه باطل، لا حظ له من الحجة، والذي حملهم على التكذيب بالقرآن المشتمل على الحق الذي لا حق فوقه، أنهم لم يحيطوا به …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
شافيا كافيا حقا لا مرية فيه من الله رب العالمين، كما تقدم في حديث الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب: "فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم"، أي: خبر عما سلف وعما سيأتي، وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه. وقوله: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} أي: إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله، وقلتم كذبا ومينا: "إن هذا من عند محمد"، فمحمد بشر مثلكم، وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن، فأتوا أنتم بسورة (1) مثله، أي: من جنس القرآن، واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان. وهذا هو المقام الثالث في التحدي، فإنه تعالى تحداهم ودعاهم، إن كانوا صادقين في دعواهم، أنه من عند محمد، فلتعارضوه (2) بنظير ما جاء به وحده واستعينوا بمن شئتم (3) وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه، فقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] ، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} [هود: 13] ، (4) ثم تنازل إلى سورة، فقال في هذه السورة: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (5) وكذا في سورة البقرة -وهي مدنية -تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا، فقال: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار} الآية: [البقرة: 24] . هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم، وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب، ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته، وجزالته وطلاوته، وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به، وأفهمهم له، وأتبعهم له وأشدهم (6) …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٨٤) ↗التحرير والتنوير
والضمير في قوله: أكثرهم عائد إلى أصحاب ضمير شركائكم [يونس: 35] وضمير فما لكم كيف تحكمون [يونس: 35] . وإنما عمهم في ضمائر شركائكم وفما لكم كيف تحكمون، وخص بالحكم في اتباعهم الظن أكثرهم، لأن جميع المشركين اتفقوا في اتباع عبادة الأصنام. وبين هنا أنهم ليسوا سواء في الاعتقاد الباعث لهم على عبادتها إيماء إلى أن من بينهم عقلاء قليلين ارتقت مدارك أفهامهم فوق أن يعتقدوا أن للأصنام تصرفا ولكنهم أظهروا عبادتها تبعا للهوى وحفظا للسيادة بين قومهم. والمقصود من هذا ليس هو تبرئة للذين عبدوا الأصنام عن غير ظن بإلهيتها فإنهم شر من الذين عبدوها عن تخيل، ولكن المقصود هو زيادة الاستدلال على بطلان عبادتها حتى إن من عبادها فريقا ليسوا مطمئنين لتحقق إلهيتها. وبالتأمل يظهر أن هؤلاء هم خاصة القوم وأهل الأحلام منهم لأن المقام مقام تخطئة ذلك الظن. ففيه إيقاظ لجمهورهم، وفيه زيادة موعظة لخاصتهم ليقلعوا عن الاستمرار في عبادة ما لا تطمئن إليه قلوبهم. وهذا كقوله الآتي: ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به [يونس: 40] . والظن: يطلق على مراتب الإدراك، فيطلق على الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك، كما في قوله تعالى: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون [البقرة: 45، 46] ويطلق على الاعتقاد المشوب بشك. ويظهر أنه حقيقة في هذا الثاني وأنه مجاز في الأول لكنه في الأول شائع فصار كالمشترك. وقد تقدم في سورة البقرة عند الكلام على الآية المذكورة. ومنه قوله تعالى: قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين في سورة الأعراف [66] ، وقوله: وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه في سورة براءة [118] . وقد أطلق مجازا على الاعتقاد المخطئ، كما في قوله تعالى: إن بعض الظن إثم [الحجرات: 12] وقول النبيء- عليه الصلاة والسلام- إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٦٥) ↗