سورة يونس · الآية ٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } أي: غير ممكن ولا متصور، أن يفترى هذا القرآن على الله تعالى، لأنه الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] وهو الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وهو كتاب الله الذي تكلم به [رب العالمين]، فكيف يقدر أحد من الخلق أن يتكلم بمثله، أو بما يقاربه، والكلام تابع لعظمة المتكلم ووصفه؟!! فإن كان أحد يماثل الله في عظمته وأوصاف كماله، أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولو تنزلنا على الفرض والتقدير، فتقوله أحد على رب العالمين، لعاجله بالعقوبة وبادره بالنكال. { ولكن } الله أنزل هذا الكتاب رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين. أنزله { تصديق الذي بين يديه } من كتب الله السماوية، بأن وافقها وصدقها بما شهدت به، وبشرت بنزوله، فوقع كما أخبرت. { وتفصيل الكتاب } للحلال والحرام، والأحكام الدينية والقدرية، والإخبارات الصادقة. { لا ريب فيه من رب العالمين } أي: لا شك ولا مرية فيه بوجه من الوجوه، بل هو الحق اليقين: تنزيل من رب العالمين الذي ربى جميع الخلق بنعمه. ومن أعظم أنواع تربيته أن أنزل عليهم هذا الكتاب الذي فيه مصالحهم الدينية والدنيوية، المشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. { أم يقولون } أي: المكذبون به عنادا وبغيا: { افتراه } محمد على الله، واختلقه، { قل } لهم - ملزما لهم بشيء - إن قدروا عليه، أمكن ما ادعوه، وإلا كان قولهم باطلا. { فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } يعاونكم على الإتيان بسورة مثله، وهذا محال، ولو كان ممكنا لادعوا قدرتهم على ذلك، ولأتوا بمثله. ولكن لما بان عجزهم تبين أن ما قالوه باطل، لا حظ له من الحجة، والذي حملهم على التكذيب بالقرآن المشتمل على الحق الذي لا حق فوقه، أنهم لم يحيطوا به …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
شافيا كافيا حقا لا مرية فيه من الله رب العالمين، كما تقدم في حديث الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب: "فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم"، أي: خبر عما سلف وعما سيأتي، وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه. وقوله: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} أي: إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله، وقلتم كذبا ومينا: "إن هذا من عند محمد"، فمحمد بشر مثلكم، وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن، فأتوا أنتم بسورة (1) مثله، أي: من جنس القرآن، واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان. وهذا هو المقام الثالث في التحدي، فإنه تعالى تحداهم ودعاهم، إن كانوا صادقين في دعواهم، أنه من عند محمد، فلتعارضوه (2) بنظير ما جاء به وحده واستعينوا بمن شئتم (3) وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه، فقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] ، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} [هود: 13] ، (4) ثم تنازل إلى سورة، فقال في هذه السورة: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (5) وكذا في سورة البقرة -وهي مدنية -تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا، فقال: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار} الآية: [البقرة: 24] . هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم، وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب، ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته، وجزالته وطلاوته، وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به، وأفهمهم له، وأتبعهم له وأشدهم (6) …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وعيدهم على كفرهم بربهم، {ولما يأتهم تأويله} [يونس: 39] يقول: ولما يأتهم بعد بيان ما يئول إليه ذلك الوعيد الذي توعدهم الله في هذا القرآن. {كذلك كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] يقول تعالى ذكره: كما كذب هؤلاء المشركون يا محمد بوعيد الله، كذلك كذب الأمم التي خلت قبلهم بوعيد الله إياهم على تكذيبهم رسلهم وكفرهم بربهم. {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} [يونس: 39] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد كيف كان عقبى كفر من كفر بالله، ألم نهلك بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالغرق؟ يقول: فإن عاقبة هؤلاء الذين يكذبونك، ويجحدون بآياتي من كفار قومك، كالتي كانت عاقبة من قبلهم من كفرة الأمم، إن لم ينيبوا من كفرهم ويسارعوا إلى التوبة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٨٤) ↗التحرير والتنوير
39] بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) بل إضراب انتقالي لبيان كنه تكذيبهم، وأن حالهم في المبادرة بالتكذيب قبل التأمل أعجب من أصل التكذيب إذ أنهم بادروا إلى تكذيبه دون نظر في أدلة صحته التي أشار إليها قوله: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله [يونس: 37] . والتكذيب: النسبة إلى الكذب، أو الوصف بالكذب سواء كان من اعتقاد أم لم يكنه. واختيار التعبير عن القرآن بطريق الموصولية في قوله: بما لم يحيطوا بعلمه لما تؤذن به صلة الموصول من عجيب تلك الحالة المنافية لتسليط التكذيب، فهم قد كذبوا قبل أن يختبروا، وهذا من شأن الحماقة والجهالة. والإحاطة بالشيء: الكون حوله كالحائط، وقد تقدم آنفا في قوله: وظنوا أنهم أحيط بهم [يونس: 22] . ويكنى بها عن التمكن من الشيء بحيث لا يفوت منه. ومنه قوله تعالى: ولا يحيطون به علما [طه: 110] وقوله: وأحاط بما لديهم [الجن: 28] أي علمه، فمضى بما لم يحيطوا بعلمه بما لم يتقنوا علمه. والباء للتعدية. وشأنها مع فعل الإحاطة أن تدخل على المحاط به وهو المعلوم، وهو هنا القرآن. وعدل عن أن يقال بما لم يحيطوا به علما أو بما لم يحط علمهم به إلى بما لم يحيطوا بعلمه للمبالغة إذ جعل العلم معلوما. فأصل العبارة قبل النفي أحاطوا بعلمه أي أتقنوا علمه أشد إتقان فلما نفي صار لم يحيطوا بعلمه، أي وكان الحق أن يحيطوا بعلمه لأن توفر أدلة صدقه يحتاج إلى زيادة تأمل وتدقيق نظر بحيث يتعين على الناظر علم أدلته ثم إعادة التأمل فيها وتسليط علم على علم ونظر على نظر بحيث تحصل الإحاطة بالعلم. وفي هذا مبالغة في فرط احتياجه إلى صدق التأمل، ومبالغة في تجهيل الذين بادروا إلى التكذيب من دون تأمل في شيء حقيق بالتأمل بعد التأمل.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٧١) ↗