البيانابحثاسألالموضوعات

سورة يونس · الآية ٢٩

﴿فَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا } أي: نجمع جميع الخلائق لميعاد يوم معلوم، ونحضر المشركين، وما كانوا يعبدون من دون الله. { ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركآؤكم } أي: الزموا مكانكم ليقع التحاكم والفصل بينكم وبينهم. { فزيلنا بينهم } أي: فرقنا بينهم، بالبعد البدني والقلبي، وحصلت بينهم العداوة الشديدة، بعد أن بذلوا لهم في الدنيا خالص المحبة وصفو الوداد، فانقلبت تلك المحبة والولاية بغضا وعداوة. وتبرأ شركاؤهم منهم وقالوا: { ما كنتم إيانا تعبدون } فإننا ننزه الله أن يكون له شريك، أو نديد. { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين } ما أمرناكم بها، ولا دعوناكم لذلك، وإنما عبدتم من دعاكم إلى ذلك، وهو الشيطان كما قال تعالى: ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين [يس: 60]. وقال: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 40-41]. فالملائكة الكرام والأنبياء والأولياء ونحوهم يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم وهم الصادقون البارون في ذلك، فحينئذ يتحسر المشركون حسرة لا يمكن وصفها، ويعلمون مقدار ما قدموا من الأعمال، وما أسلفوا من رديء الخصال، ويتبين لهم يومئذ أنهم كانوا كاذبين، وأنهم مفترون على الله، قد ضلت عبادتهم، واضمحلت معبوداتهم، وتقطعت بهم الأسباب والوسائل. ولهذا قال تعالى: { هنالك } أي: في ذلك اليوم { تبلوا كل نفس مآ أسلفت } أي: تتفقد أعمالها وكسبها، وتتبعه بالجزاء، وتجازي بحسبه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وضل عنهم ما كانوا يفترون من قولهم بصحة ما هم عليه من الشرك وأن ما يعبدون من دون الله تنفعهم وتدفع عنهم العذاب.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ٢٨–٣٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… به المشركين (1) وأوثانهم يوم القيامة: {مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} أنكروا عبادتهم، وتبرءوا منهم، كما قال تعالى: { [كلا] سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} الآية. [مريم: 82] . (2) وقال: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] ، وقال {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] . وقال في هذه الآية إخبارا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم: {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} أي: ما كنا نشعر بها ولا نعلم، وإنما أنتم كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم، والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا منكم بذلك. وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنهم شيئا، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده، بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه، وقد تركوا (3) عبادة الحي القيوم، السميع البصير، القادر على كل شيء، العليم بكل شيء وقد أرسل رسله وأنزل كتبه، آمرا بعبادته وحده لا شريك له، ناهيا عن عبادة ما سواه، كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] ، وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] ، (4) وقال: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] . والمشركون أنواع وأقسام كثيرون، قد ذكرهم الله في كتابه، وبين أحوالهم وأقوالهم، ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد. وقوله: {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت} أي: في موقف الحساب يوم القيامة تختبر …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

حسبنا الله شاهدا بيننا وبينكم أيها المشركون، فإنه قد علم أنا ما علمنا ما تقولون. {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} [يونس: 29] يقول: ما كنا عن عبادتكم إيانا دون الله إلا غافلين، لا نشعر به، ولا نعلم. كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} [يونس: 29] قال ذلك كل شيء يعبد من دون الله " حدثني المثنى، قال: ثني إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن PageEndV12P173 أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: " {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} [يونس: 29] قال: يقول ذلك كل شيء كان يعبد من دون الله "

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٧٣) ↗

التحرير والتنوير

والقطع- بفتح الطاء- في قراءة الجمهور: جمع قطعة، وهي الجزء من الشيء، سمي قطعة لأنه يقتطع من كل غالبا، فهي فعلة بمعنى مفعولة نقلت إلى الاسمية. وقرأه ابن كثير والكسائي ويعقوب قطعا بسكون الطاء. وهو اسم للجزء من زمن الليل المظلم، قال تعالى: فأسر بأهلك بقطع من الليل [هود: 81] . وقوله: مظلما حال من الليل. ووصف الليل وهو زمن الظلمة بكونه مظلما لإفادة تمكن الوصف منه كقولهم: ليل أليل، وظل ظليل، وشعر شاعر، فالمراد من الليل الشديد الإظلام باحتجاب نجومه وتمكن ظلمته. وشبهت قترة وجوههم بظلام الليل. وجملة: أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون هي كجملة: أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون [يونس: 26] . [28، 29] ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هذه الجملة معطوفة على جملة والذين كسبوا السيئات [يونس: 27] باعتبار كونها معطوفة على جملة للذين أحسنوا الحسنى [يونس: 26] فإنه لما ذكر في الجملتين السابقتين ما يختص به كل فريق من الفريقين من الجزاء وسماته جاءت هذه الجملة بإجمال حالة جامعة للفريقين ثم بتفصيل حالة يمتاز بها المشركون ليحصل بذلك ذكر فظيع من أحوال الذين بلغوا الغاية في كسب السيئات، وهي سيئة الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، وبذلك حصلت المناسبة مع الجملة التي قبلها المقتضية عطفها عليها. والمقصود من الخبر هو ذكر حشرهم جميعا، ثم ما يقع في ذلك الحشر من افتضاح الذين أشركوا، فكان مقتضى الظاهر أن يقال، ونحشرهم جميعا. وإنما زيد لفظ يوم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/١٤٩) ↗