سورة يونس · الآية ١٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى تعنت المكذبين لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم إذا تتلى عليهم آيات الله القرآنية المبينة للحق، أعرضوا عنها، وطلبوا وجوه التعنت فقالوا، جراءة منهم وظلما: { ائت بقرآن غير هذآ أو بدله } فقبحهم الله، ما أجرأهم على الله، وأشدهم ظلما وردا لآياته. فإذا كان الرسول العظيم يأمره الله أن يقول لهم: { قل ما يكون لي } أي: ما ينبغي ولا يليق { أن أبدله من تلقآء نفسي } فإني رسول محض، ليس لي من الأمر شيء، { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي: ليس لي غير ذلك، فإني عبد مأمور، { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } فهذا قول خير الخلق وأدبه مع أوامر ربه ووحيه، فكيف بهؤلاء السفهاء الضالين، الذين جمعوا بين الجهل والضلال، والظلم والعناد، والتعنت والتعجيز لرب العالمين، أفلا يخافون عذاب يوم عظيم؟!!. فإن زعموا أن قصدهم أن يتبين لهم الحق بالآيات التي طلبوا فهم كذبة في ذلك، فإن الله قد بين من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهو الذي يصرفها كيف يشاء، تابعا لحكمته الربانية ورحمته بعباده. { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا } طويلا { من قبله } أي: قبل تلاوته، وقبل درايتكم به، وأنا ما خطر على بالي، ولا وقع في ظني. { أفلا تعقلون } أني حيث لم أتقوله في مدة عمري، ولا صدر مني ما يدل على ذلك، فكيف أتقوله بعد ذلك، وقد لبثت فيكم عمرا طويلا تعرفون حقيقة حالي، بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد؟!! فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء، وأعيا العلماء، فهل يمكن - مع هذا - أن يكون من تلقاء نفسي، أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد؟ فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذ أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ظالمون. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآيته …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أبا (1) سفيان ومن معه، فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هل (2) كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا -وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف (3) بالحق: والفضل ما شهدت به الأعداء فقال له هرقل: فقد أعرف (4) أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله. (5) ! وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه، عليه السلام، بين أظهرنا (6) قبل النبوة أربعين سنة. وعن سعيد بن المسيب: ثلاثا وأربعين سنة. والصحيح المشهور الأول. يقول تعالى: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما {ممن افترى على الله كذبا} وتقول (7) على الله، وزعم أن الله أرسله، ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء! فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا، فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما (8) وأظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب [لعنه الله] (9) لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى ووقت نصف الليل في حندس الظلماء، فمن سيما كل منهما وكلامه وفعاله يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي. (10) قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، [وصلوا الأرحام] (11) وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام". (12) ولما قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في (13) قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له (14) من رفع هذه السماء؟ قال: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} [يونس: 16] يقول: ما حذرتكم به " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله} [يونس: 15] وهو قول مشركي أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} [يونس: 16] لبث أربعين سنة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} [يونس: 16] ولا أعلمكم به " حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن PageEndV12P139 الحسن: " أنه كان يقرأ: «ولا أدرأتكم به» يقول: ما أعلمتكم به " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {ولا أدراكم به} [يونس: 16] يقول: ولا أشعركم الله به " وهذه القراءة التي حكيت عن الحسن عند أهل العربية غلط، وكان الفراء يقول في ذلك قد ذكر عن الحسن أنه قال: «ولا أدرأتكم به» ، قال: فإن يكن فيها لغة سوى «دريت» و «أدريت» ، فلعل الحسن ذهب إليها، وأما أن يصلح من «دريت» أو «أدريت» فلا، لأن الياء والوا إذا انفتح ما قبلهما وسكنتا صحتا ولم تنقلبا إلى ألف مثل قضيت ودعوت، ولعل الحسن ذهب إلى طبيعته وفصاحته فهمزها، لأنها تضارع «درأت الحد» وشبهه. وربما غلطت العرب في الحرف إذا ضارعه آخر من الهمز، فيهمزون غير المهموز. وسمعت امرأة من طيئ تقول: رثأت زوجي بأبيات، ويقولون: لبأت بالحج وحلأت السويق؛ يتغلطون، لأن «حلأت» قد يقال في دفع العطاش، من الإبل، و «لبأت» : ذهبت به إلى اللبأ، لبأ الشاة، و «رثأت زوجي» : ذهبت به إلى رثأت اللبن إذا أنت حلبت الحليب على الرائب، فتلك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
وإلى هذا المعنى يشير قوله بعد هذا: قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون [يونس 16] . [2] 2] أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن جملة تلك آيات الكتاب الحكيم [يونس: 1] بما فيها من إبهام الداعي إلى التوقف على آيات الكتاب الحكيم تثير سؤالا عن ذلك الداعي فجاءت هذه الجملة تبين أن وجه ذلك هو استبعاد الناس الوحي إلى رجل من الناس استبعاد إحالة. وجاءت على هذا النظم الجامع بين بيان الداعي وبين إنكار السبب الذي دعا إليه وتجهيل المتسببين فيه، ولك أن تجعله استئنافا ابتدائيا، لأنه مبدأ الغرض الذي جاءت له السورة، وهو الاستدلال على صدق الرسول وإثبات البعث. فالهمزة للاستفهام المستعمل في الإنكار، أي كيف يتعجبون من ذلك تعجب إحالة. وفائدة إدخال الاستفهام المستعمل في الإنكار، على (كان) دون أن يقال: أعجب الناس، هي الدلالة على التعجيب من تعجبهم المراد به إحالة الوحي إلى بشر. والمعنى: أحدث وتقرر فيهم التعجب من وحينا، لأن فعل الكون يشعر بالاستقرار والتمكن فإذا عبر به أشعر بأن هذا غير متوقع حصوله. وللناس متعلق ب كان لزيادة الدلالة على استقرار هذا التعجب فيهم، لأن أصل اللام أن تفيد الملك، ويستعار ذلك للتمكن، أي لتمكن الكون عجبا من نفوسهم. وعجبا خبر كان مقدم على اسمها للاهتمام به لأنه محل الإنكار. وأن وأوحينا اسم كان، وجيء فيه ب (أن) والفعل دون المصدر الصريح وهو وحينا ليتوسل إلى ما يفيده الفعل من التجدد وصيغة المضي من الاستقرار تحقيقا لوقوع الوحي المتعجب منه وتجدده وذلك ما يزيدهم كمدا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٨٣) ↗