سورة يونس · الآية ١٠٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يدعو تعالى عباده إلى النظر لما في السماوات والأرض، والمراد بذلك: نظر الفكر والاعتبار والتأمل، لما فيها وما تحتوي عليه، والاستبصار، فإن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون، وعبرا لقوم يوقنون، تدل على أن الله وحده، المعبود المحمود، ذو الجلال والإكرام، والأسماء والصفات العظام. { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } فإنهم لا ينتفعون بالآيات لإعراضهم وعنادهم. { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } أي: فهل ينتظر هؤلاء الذين لا يؤمنون بآيات الله بعد وضوحها، { إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } أي: من الهلاك والعقاب، فإنهم صنعوا كصنيعهم، وسنة الله جارية في الأولين والآخرين. { قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين } فستعلمون من تكون له العاقبة الحسنة، والنجاة في الدنيا والآخرة، وليست إلا للرسل وأتباعهم. ولهذا قال: { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا } من مكاره الدنيا والآخرة وشدائدهما. { كذلك حقا علينا } أوجبناه على أنفسنا { ننج المؤمنين } وهذا من دفعه عن المؤمنين فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فإنه - بحسب ما مع العبد من الإيمان - تحصل له النجاة من المكاره.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يونس ١٠١–١٠٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه (1) وما خلق في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السموات (2) من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار، واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر، حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها، وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير، وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول (3) وقفار وعمران وخراب. وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا [مسخر] (4) مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير القدير له، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله: {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} أي: وأي شيء تجدي الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها، عن قوم لا يؤمنون، كما قال: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 69] . وقوله: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، {قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا} (5) أي: ونهلك المكذبين بالرسل، {كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} [أي] (6) حقا: أوجبه تعالى على نفسه الكريمة: كقوله {كتب على نفسه الرحمة} [الأنعام: 12] كما جاء في الصحيحين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت (7) غضبي" (8) يقول تعالى لرسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه: قل: يا أيها الناس، إن كنتم في شك من
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٩٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قبلهم السالكة في تكذيب رسل الله، وجحود توحيد ربهم سبيلهم: فهل ينتظر يا محمد هؤلاء المشركون من قومك المكذبون بما جئتهم به من عند الله، إلا يوما يعاينون فيه من عذاب الله مثل أيام أسلافهم الذين كانوا على مثل الذي هم عليه من الشرك والتكذيب الذين مضوا قبلهم فخلوا من قوم نوح وعاد وثمود، قل لهم يا محمد: إن كانوا كذلك ينتظرون، فانتظروا عقاب الله إياكم، ونزول سخطه بكم، إني من المنتظرين هلاككم، وبواركم بالعقوبة التي تحل بكم من الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٠١) ↗التحرير والتنوير
القرآن جاء للناس بالاستدلال وبالتخويف ثم سجل على هذا الفريق بأنه لا تنجع فيه الآيات والأدلة ولا النذر والمخوفات. ولفظ قوم لا يؤمنون يفيد أن انتفاء الإيمان عنهم وصف عرفوا به وأنه مستقر من نفوسهم، لأن اجتلاب لفظ قوم هنا مع صحة حلول غيره محله يشير إلى أن الوصف المذكور بعده من مقومات قوميتهم لأنه صار من خصائصهم، بخلاف ما لو قيل: عمن لا يؤمنون. ألا ترى إلى قول العنبري: قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا أي قوم هذه سجيتهم. وقد تقدم عند قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله: لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة [164] . وتقدم في هذه السورة غير مرة آنفا. وهو هنا أبدع لأنه عدل به عن الإضمار. وهذا من بدائع الإعجاز هنا. [102، 103] فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103) تفريع على جملة ما تغني الآيات والنذر [يونس: 101] باعتبار ما اشتملت عليه من ذكر النذر. فهي خطاب من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أي يتفرع على انتفاء انتفاعهم بالآيات والنذر وعلى إصرارهم أن يسأل عنهم: ماذا ينتظرون، ويجاب بأنهم ما ينتظرون إلا مثل ما حل بمن قبلهم ممن سيقت قصصهم في الآيات الماضية، ووقع الاستفهام بهل لإفادتها تحقيق السؤال وهو باعتبار تحقيق المسئول عنه وأنه جدير بالجواب بالتحقيق.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٩٧) ↗