وسلب منافعها أو نقصانها أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا فإن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ونزل هذه الآية على أحوال العالم وطابق بين الواقع وبينها وأنت ترى كيف تحدث من تلك الآفات والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان وكيف يحدث من تلك الآفات آفات آخر متلازمة بعضها آخذ برقاب بعض وكلما احدث الناس ظلما وفجورا أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم وقد روى الإمام أحمد بإسناده أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرة حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها هذا كان ينبت ايام العدل وهذه القصة ذكرها في مسنده على اثر حديث رواه وأكثر هذه ألأمراض والآفات العامة بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة ثم بقيت بقيت منها بقية مرصدة لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم حكما قسطا وقضاء عدلا وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله في الطاعون إنه بقية رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل وكذلك سلط الله سبحانه وتعالى الريح على قوم سبع ليال وثمانية أيام ثم ابقى في العالم منها بقية في تلك الأيام وفي نظيرها عظة وعبرة وقد جعل الله سبحانه أعمال البر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا
السيرة وأخبار الصحابة
زاد المعاد في هدي خير العباد
ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)
تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط · مؤسسة الرسالة · ١٤٠٧هـ · نص مشروع OpenITI
زاد المعاد في هدي خير العباد · الجزء ٤ · ص ٣٦٣
الإحالة: (ابن القيم، ت ٧٥١هـ: ٤/٣٦٣)