سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] اختلف أهل التأويل في معنى الكبائر التي وعد الله جل ثناؤه عباده باجتنابها تكفير سائر سيئاتهم عنهم، فقال بعضهم: الكبائر التي قال الله تبارك وتعالى: {إن
بها، لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك؟ فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر رضي الله عنه، فقال: متى قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناسا لقوني بمصر، فقالوا: إنا نرى أشياء من كتاب الله تبارك وتعالى أمر أن يعمل بها ولا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك. فقال: اجمعهم لي. قال: فجمعتهم له - قال ابن عون: أظنه قال في نهر - فأخذ أدناهم رجلا، فقال: أنشدكم بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا. - قال: ولو قال نعم لخصمه -. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ قال: ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، فقال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] هل علم أهل المدينة؟ أو قال: " هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا زياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة، قال: أتينا أنس بن مالك، فكان فيما حدثنا قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا، ثم لم نخرج له عن كل، أهل ومال. ثم سكت هنيهة، ثم قال: والله لقد كلفنا ربنا PageEndV06P660 أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها؟ ثم تلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] الآية " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] الآية، إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن ابن مسعود، قال: في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا جميعا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال} [النساء: 40] ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] وقوله: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 152] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو النضر، عن صالح المري , عن قتادة، عن ابن عباس، قال: ثمان آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه PageEndV06P661 الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} [النساء: 26] والثانية: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] والثالثة: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] ثم ذكر مثل قول ابن مسعود سواء، وزاد فيه: ثم أقبل يفسرها في آخر الآية: {وكان الله} [النساء: 96] للذين عملوا الذنوب {غفورا رحيما} [النساء: 23] وأما قوله: {وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض الكوفيين: (وندخلكم مدخلا كريما) بفتح الميم، وكذلك الذي في الحج: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه) فمعنى: (وندخلكم مدخلا) فيدخلون دخولا كريما. وقد يحتمل على مذهب من قرأ هذه القراءة أن يكون المعنى في المدخل: المكان والموضع، لأن العرب ربما فتحت الميم من ذلك بهذا المعنى، كما قال الراجز: [البحر الرجز] بمصبح الحمد وحيث يمس وقد أنشدني بعضهم سماعا من العرب: [البحر البسيط] الحمد لله ممسانا ومصبحنا %~% بالخير صبحنا ربي ومسانا وأنشدني آخر غيره: PageEndV06P662 الحمد لله ممسانا ومصبحنا لأنه من أصبح وأمسى. وكذلك تفعل العرب فيما كان من الفعل بناؤه على أربعة تضم ميمه في مثل هذا، فتقول: دحرجته مدحرجا فهو مدحرج، ثم تحمل ما جاء على أفعل يفعل على ذلك، لأن يفعل من يدخل، وإن كان على أربعة، فإن أصله أن يكون على يؤفعل: يؤدخل، ويؤخرج، فهو نظير يدحرج. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين: {مدخلا} [النساء: 31] بضم الميم، يعني: وندخلكم إدخالا كريما. قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: {وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] بضم الميم لما وصفنا من أن ما كان من الفعل بناؤه على أربعة في فعل فالمصدر منه مفعل، وأن أدخل ودحرج فعل منه على أربعة، فالمدخل مصدره أولى من مفعل مع أن ذلك أفصح في كلام العرب في مصادر ما جاء على أفعل، كما يقال: أقام بمكان فطاب له المقام، إذا أريد به الإقامة، PageEndV06P663 وقام في موضعه فهو في مقام واسع، كما قال جل ثناؤه: {إن المتقين في مقام أمين} [الدخان: 51] من قام يقوم، ولو أريد به الإقامة لقرئ: إن المتقين في مقام أمين كما قرئ: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] بمعنى الإدخال والإخراج، ولم يبلغنا عن أحد، أنه قرأ: مدخل صدق، ولا مخرج صدق، بفتح الميم. وأما المدخل الكريم: فهو الطيب الحسن، المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه، وبارتفاع الهموم والأحزان ودخول الكدر في عيش من دخله، فلذلك سماه الله كريما. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] قال: " الكريم: هو الحسن في الجنة "