سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] اختلف أهل التأويل في معنى الكبائر التي وعد الله جل ثناؤه عباده باجتنابها تكفير سائر سيئاتهم عنهم، فقال بعضهم: الكبائر التي قال الله تبارك وتعالى: {إن
ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] قال: " الكبائر: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب , أو لعنة، أو عذاب " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا هشام بن حسان , عن محمد بن واسع، قال: قال سعيد بن جبير: «كل موجبة في القرآن كبيرة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن محمد بن مهرم الشعاب، عن محمد بن واسع الأزدي، عن سعيد بن جبير، قال: «كل ذنب نسبه الله إلى النار، فهو من الكبائر» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن سالم، أنه سمع الحسن، يقول: «كل موجبة في القرآن كبيرة» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] قال: «الموجبات» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك , قال: " الكبائر: كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحد فهو من الكبائر " قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ما حدثنا به، أحمد بن الوليد القرشي قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة , قال: ثني عبيد الله بن أبي بكر قال: سمعت أنس بن مالك، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله , وقتل النفس، PageEndV06P654 وعقوق الوالدين» فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قال: «قول الزور» , أو قال: «شهادة الزور» قال شعبة: وأكبر ظني أنه قال: «شهادة الزور» حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا يحيى بن كثير قال: ثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قال: ذكروا الكبائر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وقتل النفس، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن فراس , عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس «شعبة الشاك» واليمين الغموس " حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال: ثنا PageEndV06P655 شيبان، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما الكبائر؟ قال: «الشرك بالله» قال: ثم مه؟ قال: «وعقوق الوالدين» . قال: ثم مه؟ قال: «واليمين الغموس» . قلت للشعبي: ما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمينه وهو فيها كاذب " حدثني المثنى، قال: ثنا ابن أبي السري، محمد بن المتوكل العسقلاني قال: ثنا محمد بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي رهم، عن أبي أيوب الأنصاري , قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أقام الصلاة، وآتى الزكاة وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة»، قيل: وما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف» حدثني عباس بن أبي طالب قال: ثنا سعد بن عبد الحميد، عن جعفر، عن ابن أبي جعفر، عن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن سلمان الأغر، عن أبيه أبي عبد الله سلمان الأغر قال: قال أبو أيوب خالد بن PageEndV06P656 أيوب الأنصاري، عقبي بدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر، إلا دخل الجنة ". فسألوه: ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وقتل النفس» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عباد بن عباد , عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة: أن ناسا، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر، وهو متكئ، فقالوا: الشرك بالله , وأكل مال اليتيم، وفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأين تجعلون {الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] «إلى آخر الآية» حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال: ثنا سفيان، عن أبي معاوية، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: ما الكبائر؟ قال: «أن تدعو لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك، وأن تزني بحليلة جارك» . وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق PageEndV06P657 ولا يزنون} [الفرقان: 68] " حدثني هذا الحديث عبد الله بن محمد الزهري، فقال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو معاوية النخعي، وكان على السجن سمعه من أبي عمرو، عن عبد الله بن مسعود: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أي العمل شر؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، وأن تزني بجارتك» وقرأ علي: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في تأويل الكبائر بالصحة، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم، قد اجتهد وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهب. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرم قتلها , وقول الزور، وقد يدخل في قول الزور، شهادة الزور، وقذف المحصنة , واليمين الغموس، والسحر. ويدخل في قتل النفس المحرم قتلها: قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه، والفرار من الزحف، والزنا بحليلة الجار وإذ كان ذلك كذلك صح كل خبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الكبائر , وكان بعضه مصدقا بعضا، وذلك أن الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هي سبع» يكون معنى قوله حينئذ «هي سبع» على التفصيل، ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: «هي الإشراك بالله، وقتل PageEndV06P658 النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور» على الإجمال، إذ كان قوله: «وقول الزور» يحتمل معاني شتى، وأن يجمع جميع ذلك: قول الزور. وأما خبر ابن مسعود الذي حدثني به الفريابي على ما ذكرت، فإنه عندي غلط من عبيد الله بن محمد، لأن الأخبار المتظاهرة من الأوجه الصحيحة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو الرواية التي رواها الزهري عن ابن عيينة، ولم يقل أحد منهم في حديثه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر؛ فنقلهم ما نقلوا من ذلك عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالصحة من نقل الفريابي. فمن اجتنب الكبائر التي وعد الله مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته، وإدخاله مدخلا كريما، وأدى فرائضه التي فرضها الله عليه , وجد الله لما وعده من وعد منجزا، وعلى الوفاء به دائبا. وأما قوله: {نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] فإنه يعني به: نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتنابكم كبائر ما ينهاكم عنه ربكم صغائر سيئاتكم، يعني: صغائر ذنوبكم. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] الصغائر " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن: أن ناسا، لقوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل