سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم PageEndV06P626 بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] يعني بقوله جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] صدقوا الله ورسوله {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] يقول: " لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حرم عليه من الربا والقمار، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها، إلا أن تكون تجارة. كما
وعلة من قال هذه المقالة ما: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد , عن عبد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا أن يكون خيارا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثني يحيى بن أيوب قال: كان أبو زرعة إذا بايع رجلا يقول له: خيرني، ثم يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفترق إلا عن رضا» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أهل البقيع» فسمعوا صوته، ثم قال: «يا أهل البقيع» فاشرأبوا ينظرون حتى عرفوا أنه صوته، ثم قال: «يا أهل البقيع لا يتفرقن بيعان إلا عن رضا» حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا سليمان بن معاذ، قال: ثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع رجلا ثم قال له: «اختر» فقال: قد اخترت، فقال: «هكذا البيع» قالوا: فالتجارة عن تراض هو ما كان على بينة النبي صلى الله عليه وسلم من تخيير كل واحد من المشتري والبائع في إمضاء البيع فيما يتبايعانه بينهما، أو نقضه بعد عقد البيع بينهما وقبل الافتراق، أو ما تفرقا عنه بأبدانهما، عن تراض منهما بعد مواجبة البيع فيه عن مجلسهما، فما كان بخلاف ذلك فليس من التجارة التي كانت بينهما عن تراض منهما. وقال آخرون: بل التراضي في التجارة يوجب عقد البيع فيما تبايعه المتبايعان بينهما عن رضا من كل واحد منهما ما ملك عليه صاحبه وملك صاحبه عليه، افترقا عن مجلسهما ذلك أو لم يفترقا، تخايرا في المجلس أو لم يتخايرا فيه بعد عقده. وعلة من قال هذه المقالة: أن البيع إنما هو بالقول، كما أن النكاح بالقول، ولا خلاف بين أهل العلم في الإجبار في النكاح لأحد المتناكحين على صاحبه , افترقا أو لم يفترقا عن مجلسهما الذي جرى ذلك فيه. قالوا: فكذلك حكم البيع. وتأولوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» على أنه ما لم يتفرقا بالقول. وممن قال هذه المقالة مالك بن أنس، وأبو حنيفة , وأبو يوسف ومحمد. PageEndV06P636 قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول من قال: إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين: ما تفرق المتبايعان على المجلس الذي تواجبا فيه بينهما عقدة البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما، وعن تخيير كل واحد منهما صاحبه؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر , قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا , أو يكون بيع خيار» وربما قال: " أو يقول أحدهما للآخر: اختر " فإذ كان ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحا، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه: اختر، من أن يكون قبل عقد البيع، أو معه، أو بعده. فإن يكن قبله , فذلك الخلف من الكلام الذي لا معنى له، لأنه لم يملك قبل عقد البيع أحد المتبايعين على صاحبه، ما لم يكن له مالكا، فيكون لتخييره صاحبه فيما يملك عليه وجه مفهوم، ولا فيهما من يجهل، أنه بالخيار في تمليك صاحبه ما هو له غير مالك بعوض يعتاضه منه، فيقال له: أنت بالخيار فيما تريد أن تحدثه من بيع أو شراء. أو يكون إن بطل هذا المعنى تخيير كل واحد منهما صاحبه مع عقد البيع، ومعنى التخيير في تلك الحال، نظير معنى التخيير قبلها، لأنها حالة لم يزل فيها عن أحدهما ما كان مالكه قبل ذلك إلى صاحبه , فيكون للتخيير وجه مفهوم. أو يكون ذلك بعد PageEndV06P637 عقد البيع، إذا فسد هذان المعنيان. وإذا كان ذلك كذلك صح أن المعنى الآخر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني قوله: «ما لم يتفرقا» إنما هو التفرق بعد عقد البيع، كما كان التخيير بعده، وإذا صح ذلك، فسد قول من زعم أن معنى ذلك: إنما هو التفرق بالقول الذي به يكون البيع. وإذا فسد ذلك صح ما قلنا من أن التخيير والافتراق إنما هما معنيان بهما يكون تمام البيع بعد عقده، وصح تأويل من قال: معنى قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] إلا أن يكون أكلكم الأموال التي يأكلها بعضكم لبعض عن ملك منكم عمن ملكتموها عليه بتجارة تبايعتموها بينكم، وافترقتم عنها , عن تراض منكم بعد عقد البيع بينكم بأبدانكم، أو يخير بعضكم بعضا