سورة آل عمران › القول في تأويل قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران: 135] يعني بقوله جل ثناؤه: {والذين إذا فعلوا فاحشة} [آل عمران: 135] أن الجنة التي وصف صفتها أعدت للمتقين، المنفقين في
كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} [آل عمران: 135] قال: «الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم» وقوله: {ذكروا الله} [آل عمران: 135] يعني بذلك ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم إياه {فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] يقول: فسألوا ربهم أن يستر عليهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة عليها {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] يقول: وهل يغفر الذنوب: أي يعفو عن راكبها فيسترها عليه إلا الله؟ {ولم يصروا على ما فعلوا} [آل عمران: 135] يقول: ولم يقيموا على ذنوبهم التي أتوها، ومعصيتهم التي ركبوها {وهم يعلمون} [آل عمران: 135] يقول: لم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها، وهم يعلمون أن الله قد تقدم بالنهي عنها، وأوعد عليها العقوبة، من ركبها، وذكر أن هذه الآية أنزلت خصوصا بتخفيفها ويسرها أمتنا مما كانت بنو إسرائيل ممتحنة به من عظيم البلاء في ذنوبها حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبى رباح: أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا، كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أذنك، اجدع أنفك، افعل فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وسارعوا إلى مغفرة PageEndV06P063 من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} إلى قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخير من ذلك؟» فقرأ هؤلاء الآيات " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني عمر بن خليفة العبدي، قال: ثنا علي بن زيد بن جدعان، قال: قال ابن مسعود: «كانت بنو إسرائيل إذا أذنبوا، أصبح مكتوبا على بابه الذنب وكفارته، فأعطينا خيرا من ذلك هذه الآية» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، قال: لما نزلت: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه} [النساء: 110] «بكى إبليس فزعا من هذه الآية» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، قال: " بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} [آل عمران: 135] بكى " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت عثمان، مولى آل أبي عقيل الثقفي، قال: سمعت علي بن ربيعة، يحدث عن رجل من فزارة يقال له أسماء أو ابن أسماء، عن علي، قال: " كنت إذا PageEndV06P064 سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، فحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من عبد» قال شعبة: وأحسبه قال «مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب» وقال شعبة: وقرأ إحدى هاتين الآيتين: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] ، {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} [آل عمران: 135] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وحدثنا الفضل بن إسحاق، قال: ثنا وكيع، عن مسعر وسفيان، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة الوالبي، عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره، استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يذنب ذنبا ثم يتوضأ، ثم يصلي» ، قال أحدهما: «ركعتين» وقال الآخر: «ثم يصلي ويستغفر الله إلا غفر له» حدثنا الزبير بن بكار، قال: ثني سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أخيه، عن جده عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما حدثني أحد PageEndV06P065 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سألته أن يقسم لي بالله لهو سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر، فإنه كان لا يكذب، قال علي رضي الله عنه: فحدثني أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يذنب ذنبا ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتوضأ ثم يصلي ركعتين، ويستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له» وأما قوله {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] فإنه كما بينا تأويله، وبنحو ذلك كان أهل التأويل يقولون حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق: {والذين إذا فعلوا فاحشة} [آل عمران: 135] «أي إن أتوا فاحشة» {أو ظلموا أنفسهم} [آل عمران: 135] «بمعصية ذكروا نهي الله عنها، وما حرم الله عنها، فاستغفروا لها، وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو» وأما قوله: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] فإن اسم الله مرفوع، ولا جحد قبله، وإنما يرفع ما بعد إلا بإتباعه ما قبله إذا كان نكرة ومعه جحد، كقول القائل: ما في الدار أحد إلا أخوك؛ فأما إذا قيل: قام القوم إلا أباك، فإن وجه الكلام في الأب النصب. و «من» بصلته في قوله: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] معرفة فإن ذلك إنما جاء رفعا؛ لأن معنى الكلام: وهل يغفر الذنوب أحد؟ أو ما يغفر الذنوب أحد إلا الله، فرفع ما بعد إلا من الله على تأويل الكلام، لا على لفظه. PageEndV06P066 وأما قوله: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران: 135] فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويل الإصرار ومعنى الكلمة؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يثبتوا على ما أتوا من الذنوب، ولم يقيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفروا، كما وصفهم الله به