البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

تفسير الطبري (جامع البيان)

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ)

ت. عبد الله بن عبد المحسن التركي · دار هجر · ١٤٢٢هـ · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › القول في تأويل قوله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} يعني جل ثناؤه بقوله: {لله ما في السموات وما في الأرض} لله ملك كل ما

: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] ثم قال ابن عمر: لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه، قال: ثم جئت عبد الله بن العباس، فقلت: يا أبا عباس، إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] الآية، ثم قال: لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى حتى سالت دموعه، فقال ابن عباس: «يغفر الله لعبد الله بن عمر لقد فرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها كما فرق ابن عمر منها» فأنزل الله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] فنسخ الله الوسوسة، وأثبت القول والفعل حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة يحدث: أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية، فقال: والله لئن أخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: «يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر» فأنزل الله بعدها: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: سمعت الزهري، يقول في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قال: قرأها ابن عمر، فبكى وقال: إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا، فبكى حتى سمع نشيجه، فقام رجل من عنده، فأتى ابن عباس، فذكر ذلك له، فقال: " رحم الله ابن عمر لقد وجد المسلمون نحوا مما وجد، حتى نزلت: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كنت عند ابن عمر فقال: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] الآية، فبكى، فدخلت على ابن عباس، فذكرت له ذلك، فضحك ابن عباس فقال: " يرحم الله ابن عمر، أوما يدري فيم أنزلت؟ إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا، وقالوا: يا رسول الله هلكنا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا» ، فنسختها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] إلى قوله: {وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] فتجوز لهم من حديث النفس، وأخذوا بالأعمال " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه، قرأ: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فدمعت عينه. فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: " يرحم PageEndV05P134 الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] " حدثنا محمد بن بشار، قال أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: " نسخت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قالوا: " أنؤاخذ بما حدثنا به أنفسنا ولم تعمل به جوارحنا؟ قال: فنزلت هذه الآية: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] قال: ويقول: «قد فعلت» ، قال: فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، لم تعطها الأمم قبلها " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل، عن عامر: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من PageEndV05P135 يشاء} [البقرة: 284] قال: «فنسختها الآية بعدها قوله» : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: «نسختها الآية التي بعدها» : {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] وقوله: {وإن تبدوا} [البقرة: 284] قال: «يحاسب بما أبدى من سر أو أخفى من سر، فنسختها التي بعدها» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا سيار، عن الشعبي، قال: " لما نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] قال: «فكان فيها شدة حتى نزلت هذه الآية التي بعدها» : {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] قال: «فنسخت ما كان قبلها» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: ذكروا عند الشعبي: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] حتى بلغ: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] قال: فقال الشعبي: «إلى هذا صار، رجعت إلى آخر الآية» حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] قال: قال ابن مسعود: «كانت المحاسبة قبل أن تنزل» : {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] «فلما PageEndV05P136 نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يذكر عن ابن مسعود، نحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي، قال: " نسخت {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] ، {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، وسفيان، عن جابر، عن مجاهد، وعن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قالوا: " نسخت هذه الآية: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] الآية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، وعامر، بمثله حدثنا المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن حميد، عن الحسن، في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} [البقرة: 284] إلى آخر الآية، قال: " محتها: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما PageEndV05P137 اكتسبت} [البقرة: 286] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه قال: " نسخت هذه الآية، يعني قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] الآية التي كانت قبلها: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: " نسختها قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، قال: " لما نزلت هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] إلى آخر الآية، اشتدت على المسلمين، وشقت مشقة شديدة، فقالوا: يا رسول الله، لو وقع في أنفسنا شيء لم نعمل به وأخذنا الله به؟ قال: " فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا "، قالوا: بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله، قال: فنزل القرآن يفرجها عنهم ": {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] إلى قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] قال: «فصيره إلى الأعمال، وترك ما يقع في القلوب» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا هشيم، عن سيار أبي الحكم، عن الشعبي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: «نسخت هذه الآية التي بعدها» : {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: " يوم نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسوست به أنفسهم وما عملوا، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن عمل أحدنا وإن لم يعمل أخذنا به، والله ما نملك الوسوسة، فنسخها الله بهذه الآية التي بعدها بقوله ": {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] «فكان حديث النفس مما لم تطيقوا» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، أن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها قالت: " نسختها قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] " وقال آخرون ممن قال معنى ذلك: الإعلام من الله عز وجل عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم، وبما حدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه، هذه الآية محكمة غير منسوخة، والله عز وجل محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما أصروه في أنفسهم ونووه وأرادوه، فيغفره للمؤمنين، ويؤاخذ به أهل الكفر والنفاق

تفسير الطبري (جامع البيان) · الجزء ٥ · ص ١٣٨

الإحالة: (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/١٣٨)