البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما الطهارة الحقيقية

فوجب حمل النهي عن الاغتسال فيه على ما ذكرنا صيانة لكلام صاحب الشرع عن الإعادة الخالية عن الإفادة ولأن هذا الماء مما تستخبثه الطباع السليمة فكان محرما لقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة ولأن الأمة أجمعت على أن من كان في السفر ومعه ماء يكفيه لوضوئه وهو بحال يخاف على نفسه العطش يباح له التيمم ولو بقي الماء طاهرا بعد الاستعمال لما أبيح لأنه يمكنه أن يتوضأ ويأخذ الغسالة في إناء نظيف ويمسكها للشرب والمعنى في المسألة من وجهين أحدهما في المحدث خاصة والثاني يعم الفصلين أما الأول فلأن الحدث هو خروج شيء نجس من البدن وبه يتنجس بعض البدن حقيقة فيتنجس الباقي تقديرا ولهذا أمرنا بالغسل والوضوء وسمي تطهيرا وتطهير الطاهر لا يعقل فدل تسميتها تطهيرا على النجاسة تقديرا ولهذا لا يجوز له أداء الصلاة التي هي من باب التعظيم ولولا النجاسة المانعة من التعظيم لجازت فثبت أن على أعضاء المحدث نجاسة تقديرية فإذا توضأ انتقلت تلك النجاسة إلى الماء فيصير الماء نجسا تقديرا وحكما والنجس قد يكون حقيقيا وقد يكون حكميا كالخمر والثاني ما ذكرنا أنه يزيل نجاسة الآثام وخبثها فنزل ذلك منزلة خبث الخمر إذا أصاب الماء ينجسه كذا هذا ثم إن أبا يوسف جعل نجاسته خفيفة لعموم البلوى فيه لتعذر صيانة الثياب عنه ولكونه محل الاجتهاد فأوجب ذلك خفة في حكمه والحسن جعل نجاسته غليظة لأنها نجاسة حكمية وأنها أغلظ من الحقيقية ( ( ( الحقيقة ) ) ) ألا ترى أنه عفي عن القليل من الحقيقية دون الحكمية بأن بقي على جسده لمعة يسيرة وعلى هذا الأصل ينبني أن التوضأ في المسجد مكروه عند ( ( ( وعند ) ) ) أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد لا بأس به إذا لم يكن عليه قذر فمحمد مر على أصله أنه طاهر وأبو يوسف مر على أصله أنه نجس وأما عند أبي حنيفة فعلى رواية النجاسة لا يشكل وأما على رواية الطهارة فلأنه مستقذر طبعا فيجب تنزيه المسجد عنه كما يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم ولو اختلط الماء المستعمل بالماء القليل قال بعضهم لا يجوز التوضأ به وإن قل وهذا فاسد أما عند محمد فلأنه طاهر لم يغلب على الماء المطلق فلا يغيره عن صفة الطهورية كاللبن وأما عندهما فلأن القليل مما لا يمكن التحرز عنه يجعل عفوا ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه حين سئل عن القليل منه لا بأس به وسئل الحسن البصري عن القليل فقال ومن يملك نشر الماء وهو ما تطاير منه عند الوضوء وانتشر أشار إلى تعذر التحرز عن القليل فكان القليل عفوا ولا تعذر في الكثير فلا يكون عفوا ثم الكثير عند محمد ما يغلب على الماء المطلق وعندهما أن يتبين مواقع القطرة في الإناء وأما بيان حال الاستعمال وتفسير الماء المستعمل فقال بعض مشايخنا الماء المستعمل ما زايل البدن واستقر في مكان وذكر في الفتاوى أن الماء إذا زال عن البدن لا ينجس ما لم يستقر على الأرض أو في الإناء وهذا مذهب سفيان الثوري وأما عندنا فما دام على العضو الذي استعمله فيه لا يكون مستعملا وإذا زايله صار مستعملا وإن لم يستقر على الأرض أو في الإناء فإنه ذكر في الأصل إذا مسح رأسه بماء أخذه من لحيته لم يجزه وإن لم يستقر على الأرض وذكر في باب المسح على الخفين أن من مسح على خفيه وبقي في كفه بلل فمسح به رأسه لا يجزيه وعلل بأن هذا ماء قد مسح به مرة أشار إلى صيرورته مستعملا وإن لم يستقر على الأرض أو في الإناء وقالوا فيمن توضأ وبقي على رجله لمعة فغسلها ببلل أخذه من عضو آخر لا يجوز وإن لم يوجد الاستقرار على المكان فدل على أن المذهب ما قلنا أما سفيان فقد استدل بمسائل زعم أنها تدل على صحة ما ذهب إليه منها إذا توضأ أو اغتسل وبقي على يده لمعة فأخذ البلل منها في الوضوء أو من أي عضو كان في الغسل وغسل اللمعة يجوز ومنها إذا توضأ وبقي في كفه بلل فمسح به رأسه يجوز وإن زايل العضو الذي استعمله فيه لعدم الاستقرار في مكان ومنها إذا مسح أعضاءه بالمنديل وابتل حتى صار كثيرا فاحشا أو تقاطر الماء على ثوب مقدار الكثير الفاحش جازت الصلاة معه ولو أعطى له حكم الاستعمال عند المزايلة لما جازت ولنا أن القياس أن يصير الماء مستعملا بنفس الملاقاة لما ذكرنا فيما تقدم أنه وجد سبب صيرورته مستعملا وهو إزالة الحدث أو استعماله على وجه القربة وقد حصل ذلك بمجرد الملاقاة فكان ينبغي أن يؤخذ لكل جزء من العضو جزء من الماء إلا أن في ذلك حرجا فالشرع أسقط

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٦٨

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٦٨)