البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما الطهارة الحقيقية

قول له أنه طاهر وطهور بكل حال وهو قول مالك ثم مشايخ بلخ حققوا الخلاف فقالوا الماء المستعمل نجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد طاهر غير طهور ومشايخ العراق لم يحققوا الخلاف فقالوا إنه طاهر غير طهور عند أصحابنا حتى روي عن القاضي أبي حازم العراقي أنه كان يقول إنا نرجو أن لا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة وهو اختيار المحققين من مشايخنا بما وراء النهر وجه قول من قال أنه طهور ما ( ( ( وما ) ) ) روي عن النبي أنه قال الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ولم يوجد التغير بعد الاستعمال ولأن هذا ماء طاهر لاقى عضوا طاهرا فلا يصير نجسا كالماء الطاهر إذا غسل به ثوب طاهر والدليل على أنه لاقى محلا طاهرا إن أعضاء المحدث طاهرة حقيقة وحكما أما الحقيقة فلانعدام النجاسة الحقيقية حسا ومشاهدة وأما الحكم فلما روي أن رسول الله كان يمر في بعض سكك المدينة فاستقبله حذيفة بن اليمان فأراد النبي أن يصافحه فامتنع وقال إني جنب يا رسول الله فقال النبي إن المؤمن لا ينجس وروي أنه قال لعائشة رضي الله عنها ناوليني الخمرة فقالت إني حائض فقال ليست حيضتك في يدك ولهذا جاز صلاة حامل المحدث والجنب وحامل النجاسة لا تجوز صلاته وكذلك عرقه طاهر وسؤره طاهر وإذا كانت أعضاء المحدث طاهرة كان الماء الذي لاقاها طاهرا ضرورة لأن الطاهر لا يتغير عما كان عليه إلا بانتقال شيء من النجاسة إليه ولا نجاسة في المحل على ما مر فلا يتصور الانتقال فبقي طاهرا وبهذا يحتج محمد رحمه الله تعالى لإثبات الطهارة إلا أنه لا يجوز التوضؤ به لأنا تعبدنا باستعمال الماء عند القيام إلى الصلاة شرعا غير معقول التطهير لأن تطهير الطاهر محال والشرع ورد باستعمال الماء المطلق وهو الذي لا يقوم به خبث ولا معنى يمنع جواز الصلاة وقد قام بالماء المستعمل أحد هذين المعنيين أما على قول محمد فلأنه أقيم به قربة إذا توضأ به لأداء الصلاة لأن الماء إنما يصير مستعملا بقصد التقرب عنده وقد ثبت بالأحاديث أن الوضوء سبب لإزالة الآثام عن المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) للصلاة فينتقل ذلك إلى الماء فيتمكن فيه نوع خبث كالمال الذي تصدق به ولهذا سميت الصدقة غسالة الناس وأما على قول زفر فلأنه قام به معنى مانع من جواز الصلاة وهو الحدث لأن الماء عنده إنما يصير مستعملا بإزالة الحدث وقد انتقل الحدث من البدن إلى الماء ثم الجنابة ( ( ( الخبث ) ) ) والحدث وإن كانا من صفات المحل والصفات لا تحتمل الانتقال لكن ألحق ذلك بالعين النجسة القائمة بالمحل حكما والأعيان الحقيقية قليلة ( ( ( قابلة ) ) ) للانتقال فكذا ما هو ملحق بها شرعا وإذا قام بهذا الماء أحد هذين المعنيين لا يكون في معنى الماء المطلق فيقتصر الحكم عليه على الأصل المعهود أن ما لا يعقل من الأحكام يقتصر على المنصوص عليه ولا يتعدى إلى غيره إلا إذا كان في معناه من كل وجه ولم يوجد وجه ( ( ( أوجه ) ) ) رواية النجاسة ما روي عن رسول الله أنه قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة حرم الاغتسال في الماء القليل لإجماعنا على أن الاغتسال في الماء الكثير ليس بحرام فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهي معنى لأن إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام أما تنجيس الطاهر فحرام فكان هذا نهيا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال وذا يقتضي التنجيس به ولا يقال أنه يحتمل أنه نهي لما فيه من إخراج الماء عن أن يكون مطهرا من غير ضرورة وذلك حرام لأنا نقول الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهرا باختلاط غير المطهر به إذا كان الغير غالبا عليه كماء الورد واللبن ونحو ذلك فأما إذا كان مغلوبا فلا وههنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن ولا شك أن ذلك أقل من غير المستعمل فكيف يخرج به من أن يكون مطهرا فأما ملاقاة النجس الطاهر فتوجب تنجيس الطاهر وإن لم يغلب على الطاهر لاختلاطه بالطاهر على وجه لا يمكن التمييز بينهما فيحكم بنجاسة الكل فثبت أن النهي لما قلنا ولا يقال إنه يحتمل أنه نهي لأن أعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة الحقيقية وذا يوجب تنجيس الماء القليل لأنا نقول الحديث مطلق فيجب العمل بإطلاقه ولأن النهي عن الاغتسال ينصرف إلى الاغتسال المسنون لأنه هو المتعارف فيما بين المسلمين والمسنون منه هو إزالة النجاسة الحقيقية عن البدن قبل الاغتسال على أن النهي عن إزالة النجاسة الحقيقية التي على البدن استفيد بالنهي عن البول فيه

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٦٧

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٦٧)