البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما بيان وقت التيمم

كان يرجو وجود الماء في آخره أو لا يرجو وهذا لا يوجب اختلاف الرواية بل يجعل رواية المعلى تفسيرا لما أطلقه في الأصل وهو قول جماعة من التابعين مثل الزهري والحسن وابن سيرين رضي الله عنهم فإنهم قالوا يؤخر التيمم إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء وقال جماعة لا يؤخر ما لم يستيقن بوجود الماء في آخر الوقت وبه أخذ الشافعي وقال مالك المستحب له أن يتيمم في وسط الوقت والصحيح قولنا لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في مسافر أجنب يتلوم إلى آخر الوقت ولم يرو عن غيره من الصحابة خلافه فيكون إجماعا والمعنى فيه أن أداء الصلاة بطهارة الماء أفضل لأنها أصل والتيمم بدل ولأنها طهارة حقيقة وحكما والتيمم طهارة حكما لا حقيقة فإذا كان يرجو وجود الماء في آخر الوقت كان في التأخير أداء الصلاة بأكمل الطهارتين فكان التأخير مستحبا فأما إذا لم يرج لا يستحب إذ لا فائدة في التأخير ولو تيمم في أول الوقت وصلى فإن كان عالما أن الماء قريب بأن كان بينه وبين الماء أقل من ميل لم تجز صلاته بلا خلاف لأنه واجد للماء وإن كان ميلا فصاعدا جازت صلاته وإن كان يمكنه أن يذهب ويتوضأ ويصلي في الوقت وعند زفر لا يجوز لما يذكر وإن لم يكن عالما بقرب الماء أو بعده تجوز صلاته سواء كان يرجو وجود الماء في آخر الوقت أو لا سواء كان بعد الطلب أو قبله عندنا خلافا للشافعي لما مر أن العدم ثابت ظاهرا واحتمال الوجود احتمال لا دليل عليه فلا يعارض الظاهر ولو أخبر في آخر الوقت أن الماء بقرب منه بأن كان بينه والماء ( ( ( وبين ) ) ) أقل من ميل لكنه يخاف لو ذهب إليه وتوضأ تفوته الصلاة عن وقتها لا يجوز له التيمم بل يجب عليه أن يذهب ويتوضأ ويصلي خارج الوقت عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يجزئه التيمم والأصل أن المعتبر عند أصحابنا الثلاثة القرب والبعد لا الوقت وعند زفر المعتبر هو الوقت لا قرب الماء وبعده وجه قوله أن التيمم شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت فكان المنظور إليه هو الوقت فيتيمم كيلا تفوته الصلاة عن الوقت كما في صلاة الجنازة والعيدين ولنا أن هذه الصلاة لا تفوته أصلا بل إلى خلف وهو القضاء والفائت إلى خلف قائم معنى بخلاف صلاة الجنازة والعيدين لأنها تفوت أصلا لما يذكر في موضعه فجاز التيمم فيها لخوف الفوات والله أعلم فهي إنه بدل بلا شك لأن جوازه معلق بحال عدم الماء لكنهم اختلفوا في كيفية البدلية من وجهين أحدهما الخلاف فيه مع غير أصحابنا والثاني مع أصحابنا أما الأول فقد قال أصحابنا إن التيمم بدل مطلق وليس ببدل ضروري وعنوا به أن الحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة إلا أنه يباح له الصلاة مع قيام الحدث وقال الشافعي التيمم بدل ضروري وعني به أنه يباح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة كطهارة المستحاضة وجه قوله لتصحيح هذا الأصل أن التيمم لا يزيل هذا الحدث بدليل أنه لو رأى الماء تعود الجنابة والحدث مع أن رؤية الماء ليست بحدث فعلم أن الحدث لم يرتفع لكن أبيح له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة كما في المستحاضة ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث فقد سمي التيمم وضوءا والوضوء مزيل للحدث وقال صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا والطهور اسم للمطهر فدل على أن الحدث يزول بالتيمم إلا أن زواله مؤقت إلى غاية وجود الماء فإذا وجد الماء يعود الحدث السابق لكن في المستقبل لا في الماضي فلم يظهر في حق الصلاة المؤداة وعلى هذا الأصل يبنى التيمم قبل دخول الوقت أنه جائز عندنا وعند الشافعي لا يجوز لأنه بدل مطلق عند عدم الماء فيجوز قبل دخول الوقت وبعده وعنده بدل ضروري فتتقدر بدليته بقدر الضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت وعلى هذا يبني أيضا أنه إذا تيمم في الوقت يجوز له أن يؤدي ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث عندنا وعنده لا يجوز له أن يؤدي به فرضا آخر غير ما تيمم لأجله وله أن يصلي به النوافل لكونها تابعة للفرائض وثبوت الحكم في التبع لا يقف على وجود علة على حدة أو شرط على حدة فيه بل وجود ذلك في الأصل يكفي لثبوته في التبع كما هو مذهبه في طهارة المستحاضة وعلى هذا يبنى أنه إذا تيمم للنفل

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٥٥

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٥٥)