البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما شرائط الركن

يباح وجه قولهما أنه لو ذهب وتوضأ لا تفوته الصلاة لأنه يمكنه إتمام البقية وحده لأنه لا حق ولا عبرة بالتيمم عند عدم خوف الفوت أصلا ولأبي حنيفة أنه إن كان لا يخاف الفوت من هذا الوجه يخاف الفوت بسبب الفساد لازدحام الناس فقلما يسلم عن عارض يفسد عليه صلاته فكان في الانصراف للوضوء تعريض صلاته للفساد وهذا لا يجوز فيتيمم والله أعلم ومنها النية والكلام في النية في موضعين أحدهما في بيان أنها شرط جواز التيمم والثاني في بيان كيفيتها أما الأول فالنية شرط جواز التيمم في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر ليست بشرط وجه قوله إن التيمم خلف والخلف لا يخالف الأصل في الشروط ثم الوضوء يصح بدون النية كذا التيمم ولنا أن التيمم ليس بطهارة حقيقية وإنما جعل طهارة عند الحاجة والحاجة إنما تعرف بالنية بخلاف الوضوء لأنه طهارة حقيقية فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة فلا يشترط له النية ولأن مأخذ الاسم دليل كونها شرطا لما ذكرنا أنه ينبىء عن القصد والنية هي القصد فلا يتحقق بدونها فأما الوضوء فإنه مأخوذ من الوضاءة وأنها تحصل بدون النية وأما كيفية النية في التيمم فقد ذكر القدوري أن الصحيح من المذهب أنه إذا نوى الطهارة أو نوى استباحة الصلاة أجزأه وذكر الجصاص أنه لا يجب في التيمم نية التطهير وإنما يجب نية التمييز وهو أن ينوي الحدث أو الجنابة لأن التيمم لهما يقع على صفة واحدة فلا بد من التمييز بالنية كما في صلاة الفرض أنه لا بد فيها من نية الفرض لأن الفرض والنفل يتأديان على هيئة واحدة والصحيح أن ذلك ليس بشرط فإن ابن سماعة روى عن محمد أن الجنب إذا تيمم يريد به الوضوء أجزأه عن الجنابة وهذا لما بينا أن افتقار التيمم إلى النية ليصير طهارة إذ هو ليس بتطهير حقيقة وإنما جعل تطهيرا شرعا للحاجة والحاجة تعرف بالنية ونية الطهارة تكفي دلالة على الحاجة وكذا نية الصلاة لأنه لا جواز للصلاة بدون الطهارة فكانت دليلا على الحاجة فلا حاجة إلى نية التمييز أنه للحدث أو للجنابة ولو تيمم ونوى مطلق الطهارة أو نوى استباحة الصلاة فله أن يفعل كل ما لا يجوز بدون الطهارة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة ومس المصحف ونحوها لأنه لما أبيح له أداء الصلاة فلأن يباح له ما دونها أو ما هو جزء من أجزائها أولى وكذا لو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أو لقراءة القرآن بأن كان جنبا جاز له أن يصلي به سائر الصلوات لأن كل واحد من ذلك عبادة مقصودة بنفسها وهو من جنس أجزاء الصلاة فكان نيتها عند التيمم كنية الصلاة فأما إذا تيمم لدخول المسجد أو لمس المصحف لا يجوز له أن يصلي به لأن دخول المسجد ومس المصحف ليس بعبادة مقصودة بنفسه ولا هو من جنس أجزاء الصلاة فيقع طهورا لما أوقعه له لا غير ومنها الإسلام فإنه شرط وقوعه صحيحا عند عامة العلماء حتى لا يصح تيمم الكافر وإن أراد به الإسلام وروي عن أبي يوسف إذا تيمم ينوي الإسلام جاز حتى لو أسلم لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم عند العامة وعلى رواية أبي يوسف يجوز وجه روايته أن الكافر من أهل نية الإسلام والإسلام رأس العبادة فيصح تيممه له بخلاف ما إذا تيمم لصلاة ( ( ( للصلاة ) ) ) لأنه ليس من أهل الصلاة فكان تيممه للصلاة سفها فلا يعتبر ولنا أن التيمم ليس بطهور حقيقة وإنما جعل طهورا للحاجة إلى فعل لا صحة له بدون الطهارة والإسلام يصح بدون الطهارة فلا حاجة إلى أن يجعل طهورا في حقه بخلاف الوضوء أنه يصح من الكافر عندنا لأنه طهور حقيقة فلا نشترط ( ( ( تشترط ) ) ) له الحاجة ليصير طهورا ولهذا لو تيمم مسلم بنية الصوم لم يصح وإن كان الصوم عبادة فكذا ههنا بل أولى لأن هناك باشتغاله بالتيمم لم يرتكب نهيا وههنا ارتكب أعظم نهي لأنه بقدر ما اشتغل صار باقيا على الكفر لتأخير ( ( ( مؤخرا ) ) ) الإسلام ( ( ( للإسلام ) ) ) وتأخير الإسلام من أعظم العصيان ثم لما لم يصح ذاك فلأن لا يصح هذا أولى مسلم تيمم ثم ارتد عن الإسلام والعياذ بالله لم يبطل تيممه حتى لو رجع إلى الإسلام له أن يصلي بذلك التيمم وعند زفر بطل تيممه حتى لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم بعد الإسلام فالإسلام عندنا شرط وقوع التيمم صحيحا لا شرط بقائه على الصحة وعند زفر هو شرط بقائه على الصحة أيضا فزفر يجمع بين حالة الابتداء والبقاء بعلة جامعة بينهما وهي ما ذكرنا أنه جعل طهورا مع أنه ليس بطهور حقيقة لمكان الحاجة إلى ما لا صحة له بدون الطهارة من الصلاة

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٥٢

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٥٢)