البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما شرائط الركن

بن يحيى عن ماء موضوع في الفلاة في الحب ( ( ( الجب ) ) ) أو نحو ذلك أيكون للمسافر أن يتيمم أو يتوضأ به قال يتيمم ولا يتوضأ به لأنه لم يوضع للوضوء وإنما وضع للشرب إلا أن يكون كثيرا فيستدل بكثرته على أنه وضع للشرب والوضوء جميعا فيتوضأ به ولا يتيمم وكذا إذا كان به جراحة أو جدري أو مرض يضره استعمال الماء فيخاف زيادة المرض باستعمال الماء يتيمم عندنا وقال الشافعي لا يجوز التيمم حتى يخاف التلف وجه قوله أن العجز عن استعمال الماء شرط جواز التيمم ولا يتحقق العجز إلا عند خوف الهلاك ولنا قوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر إلى قوله فتيمموا صعيدا طيبا أباح التيمم للمريض مطلقا من غير فصل بين مرض ومرض إلا أن المرض الذي لا يضر معه استعمال الماء ليس بمراد فبقي المرض الذي يضر معه استعمال الماء مرادا بالنص وروي أن واحدا من الصحابة رضي الله عنهم أجنب وبه جدري فاستفتى أصحابه فأفتوه بالاغتسال فاغتسل فمات فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال كان يكفيه التيمم وهذا نص ولأن زيادة المرض سبب الموت وخوف الموت مبيح فكذا خوف سبب الموت لأنه خوف الموت بواسطة والدليل عليه أنه أثر في إباحة الإفطار وترك القيام بلا خلاف فههنا أولى لأن القيام ركن في باب الصلاة والوضوء شرط فخوف زيادة المرض لما أثر في إسقاط الركن فلأن يؤثر في إسقاط الشرط أولى ولو كان مريضا لا يضره استعمال الماء لكنه عاجز عن الاستعمال بنفسه وليس له خادم ولا مال يستأجر به أجيرا فيعينه على الوضوء أجزأه التيمم سواء كان في المفازة أو في المصر وهو ( مذهب أصحابنا ( ( ( المذهب ) ) ) ) لأن العجز متحقق والقدرة موهومة فوجد شرط الجواز وروي عن محمد أنه إن كان في المصر لا يجزيه إلا أن يكون مقطوع اليد لأن الظاهر أنه يجد أحدا من قريب أو بعيد يعينه وكذا العجز لعارض على شرف الزوال بخلاف مقطوع اليدين ولو أجنب في ليلة باردة يخاف على نفسه الهلاك لو اغتسل ولم يقدر على تسخين الماء ولا على أجرة الحمام في المصر أجزأه التيمم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد إن كان في المصر لا يجزئه وجه قولهما أن الظاهر في المصر وجود الماء المسخن والدفء فكان العجز نادرا فكان ملحقا بالعدم ولأبي حنيفة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث سرية وأمر عليهم عمرو بن العاص رضي الله عنه وكان ذلك في غزوة ذات السلاسل فلما رجعوا شكوا منه أشياء من جملتها أنهم قالوا صلى بنا وهو جنب فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك له فقال يا رسول الله أجنبت في ليلة باردة وخفت ( ( ( فخفت ) ) ) على نفسي الهلاك لو اغتسلت فذكرت ما قال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فتيممت وصليت بهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترون صاحبكم كيف نظر لنفسه ولكم ولم يأمره بالإعادة ولم يستفسره إنه كان في مفازة أو مصر ولأنه علل فعله بعلة عامة وهي خوف الهلاك ورسول الله صلى الله عليه وسلم استصوب ذلك منه والحكم يتعمم بعموم العلة وقولهما إن العجز في المصر نادر فالجواب عنه إنه في حق الفقراء الغرباء ليس بنادر على أن الكلام فيما إذا تحقق العجز من كل وجه حتى لو قدر على الاغتسال بوجه من الوجوه لا يباح له التيمم ولو كان مع رفيقه ماء فإن لم يعلم به لا يجب عليه الطلب عندنا وعند الشافعي يجب على ما ذكرنا وإن علم به ولكن لا ثمن له فكذلك عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف عليه السؤال وجه قوله أن الماء مبذول في العادة لقلة خطره فلم يعجز عن الاستعمال ولأبي حنيفة أن العجز متحقق والقدرة موهومة لأن الماء من أعز الأشياء في السفر فالظاهر عدم البذل فإن سأله فلم يعطه أصلا أجزأه التيمم لأن العجز قد تقرر وكذا إن كان يعطيه بالثمن ولا ثمن له لما قلنا وإن كان له ثمن ولكن لا يبيعه إلا بغبن فاحش يتيمم ولا يلزمه الشراء عند عامة العلماء وقال الحسن البصري يلزمه الشراء ولو بجميع ماله لأن هذه تجارة رابحة ولنا أنه عجز عن استعمال الماء إلا باتلاف شيء من ماله لأن ما زاد على ثمن المثل لا يقابله عوض وحرمة مال المسلم كحرمة دمه قال النبي صلى الله عليه وسلم حرمة مال المسلم كحرمة دمه ولهذا أبيح له القتال دون ماله كما أبيح له دون نفسه ثم خوف فوات بعض النفس مبيح للتيمم فكذا فوات بعض المال

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٤٨

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٤٨)