البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

مبحث في الترتيب

في الوضوء ومنها الترتيب في الوضوء لأن النبي واظب عليه ومواظبته عليه دليل السنة وهذا عندنا وعند الشافعي هو فرض وجه قوله أن الأمر وإن تعلق بالغسل والمسح في آية الوضوء بحرف الواو وإنها للجمع المطلق لكن الجمع المطلق يحتمل الترتيب فيحمل على الترتيب بفعل رسول الله ( حيث غسل ) مرتبا فكان فعله بيانا لأحد المحتملين ولنا أن حرف الواو للجمع المطلق والجمع بصفة الترتيب جمع مقيد ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل وفعل النبي يمكن أن يحمل على موافقة الكتاب وهو أنه إنما فعل ذلك لدخوله تحت الجمع المطلق لكن ( لا من حيث أنه جمع بل ) من حيث أنه مرتب وعلى هذا الوجه يكون عملا بموافقة الكتاب كمن أعتق رقبة مؤمنة في كفارة اليمين أو الظهار أنه يجوز بالإجماع وذا لا ينفي أن تكون الرقبة المطلقة مرادة من النص لأن جواز المؤمنة من حيث هي رقبة لا من حيث هي مؤمنة كذا ههنا ولأن الأمر بالوضوء للتطهير لما ذكرنا في المسائل المتقدمة والتطهير لا يقف على الترتيب لما مر ومنها الموالاة وهي أن لا يشتغل المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه لأن النبي هكذا كان يفعل وقيل في تفسير الموالاة أن لا يمكث في أثناء الوضوء مقدار ما يجف فيه العضو المغسول فإن مكث تنقطع الموالاة وعند مالك هي فرض وقيل إنه أحد قولي الشافعي والكلام في الطرفين على نحو ما ذكرنا في الترتيب فافهم ومنها التثليث في الغسل وهو أن يغسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا لما روي أن رسول الله توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وتوضأ مرتين مرتين وقال هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم وفي رواية فمن زاد أو نقص فهو من المعتدين واختلف في تأويله قال بعضهم زاد على مواضع الوضوء ونقص عن مواضعه وقال بعضهم زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء الوضوء ونقص عن الواحدة والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل معناه فمن زاد على الثلاث أو نقص عن الثلاث بأن لم ير الثلاث سنة لأن من لم ير سنة رسول الله سنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سنة لا يلحقه هذا الوعيد لأن الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذ نوى به وإنه نور على نور على لسان رسول الله وكذا جعل رسول الله الوضوء مرتين سببا لتضعيف الثواب فكان المراد منه الاعتقاد لا نفس الزيادة والنقصان ومنها البداءة باليمين في ( غسل ) اليدين والرجلين لأن رسول الله كان يواظب على ذلك وهي سنة في الوضوء وفي غيره من الأعمال لما روي أن النبي كان يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل ومنها البداءة فيه من رؤوس الأصابع لأن رسول الله كان يفعل ذلك ومنها تخليل الأصابع بعد إيصال الماء إلى منابتها لقول النبي خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم ( وفي رواية خللوا أصابعكم لا تخللها نار جهنم ) ولأن التخليل من باب إكمال الفريضة فكان مسنونا ولو كان في أصبعه خاتم فإن كان واسعا فلا حاجة إلى التحريك وإن كان ضيقا فلا بد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته ومنها الاستيعاب في مسح الرأس وهو أن يمسح كله لما روى عبد الله بن زيد أن النبي مسح رأسه بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر وعند مالك فرض وقد مر الكلام فيه ومنها البداءة بالمسح من مقدم الرأس وقال الحسن البصري السنة البداءة من الهامة فيضع يديه عليها فيمدهما إلى مقدم الرأس ثم يعيدهما إلى القفا وهكذا روى هشام عن محمد والصحيح قول العامة لما روي أن النبي كان يبتدىء بالمسح من مقدم رأسه ولأن السنة في المغسولات البداءة بالغسل من أول العضو فكذا في الممسوحات ومنها أن يمسح رأسه مرة واحدة والتثليث مكروه وهذا عندنا وقال الشافعي السنة هي التثليث وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يمسح ثلاث مرات بماء واحد احتج الشافعي بما روي أن عثمان بن عفان وعليا رضي الله عنهما حكيا وضوء رسول الله فغسلا ثلاثا ومسحا بالرأس ثلاثا ولأن هذا ركن أصلي في الوضوء فيسن فيه التثليث قياسا على الركن الآخر وهو الغسل بخلاف المسح على الخفين لأنه ليس

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٢٢

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٢٢)