البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

كتاب الصلاة › فصل وأما بيان من هو أحق بالإمامة

والأقرأ أورع منه فالأعلم أولى إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم الأقرأ في الحديث لأن الأقرأ في ذلك الزمان كان أعلم لتلقيهم القرآن بمعانيه وأحكامه فأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرا في القرآن ولا حظ له من العلم فكان الأعلم أولى فإن استووا في العلم فأورعهم لأن الحاجة بعد العلم والقراءة بقدر ما يتعلق به الجواز إلى الورع أشد قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي وإنما قدم أقدمهم هجرة في الحديث لأن الهجرة كانت فريضة يومئذ ثم نسخت بقوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح فيقدم الأورع لتحصل به الهجرة عن المعاصي فإن استووا في الورع فأقرؤهم لكتاب الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم أهل القرآن أهل الله وخاصته فإن استووا في القراءة فأكبرهم سنا لقوله صلى الله عليه وسلم الكبر الكبر فإن كانوا فيه سواء فأحسنهم خلقا لأن حسن الخلق من باب الفضيلة ومبنى الإمامة على الفضيلة فإن كانوا فيه سواء فأحسنهم وجها لأن رغبة الناس في الصلاة خلفه أكثر وبعضهم قالوا معنى قوله في الحديث أحسنهم وجها أي أكثرهم خبرة بالأمور يقال وجه هذا الأمر كذا وقال بعضهم أي أكثرهم صلاة بالليل كما جاء في الحديث من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ولا حاجة إلى هذا التكلف لأن الحمل على ظاهره ممكن لما بينا أن ذلك من أحد دواعي الاقتداء فكانت إمامته سببا لتكثير الجماعة فكان هو أولى ويكره للرجل أن يؤم الرجل في بيته إلا بإذنه لما روينا من حديث أبي سعيد مولى بني أسيد ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمة أخيه إلا بإذنه فإنه أعلم بعورات بيته وفي رواية في بيته ولأن في التقدم عليه ازدراء به بين عشائره وأقاربه وذا لا يليق بمكارم الأخلاق ولو أذن له لا بأس به لأن الكراهة كانت لحقه وذكر محمد رحمه الله تعالى في غير رواية الأصول أن الضيف إذا كان ذا سلطان جاز له أن يؤم بدون الإذن لأن الاذن لمثل هذا الضيف ثابت دلالة وأنه كالإذن نصا وأما إذا كان الضيف سلطانا فحق الإمامة له حيثما يكون وليس للغير أن يتقدم عليه إلا بإذنه والله أعلم فنقول إذا كان سوى الإمام ثلاثة يتقدمهم الإمام لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الأمة بذلك وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال إن جدتي مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقال صلى الله عليه وسلم قوموا لأصلي بكم فأقامني واليتيم من ورائه وأمي أم سليم من ورائنا ولأن الإمام ينبغي أن يكون بحال يمتاز بها عن غيره ولا يشتبه على الداخل ليمكنه الاقتداء به ولا يتحقق ذلك إلا بالتقدم ولو قام في وسطهم أو في ميمنة الصف أو في ميسرته جاز وقد أساء أما الجواز فلأن الجواز يتعلق بالأركان وقد وجدت وأما الإساءة فلتركه ( ( ( فتركه ) ) ) السنة المتواترة وجعل نفسه بحال لا يمكن الداخل الاقتداء به وفيه تعريض اقتدائه للفساد وكذا ( ( ( ولذلك ) ) ) إذا كان سواه اثنان يتقدمهما في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه يتوسطهما لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى بعلقمة والأسود وقام وسطهما وقال هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنا ما روينا أنا النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأنس واليتيم وأقامهما خلفه وهو مذهب علي وابن عمر رضي الله عنهما وأما حديث ابن مسعود فهذه الزيادة وهي قوله هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ترو في عامة الروايات فلم يثبت وبقي مجرد الفعل وهو محمول على ضيق المكان كذا قال إبراهيم النخعي وهو كان أعلم الناس بأحوال عبد الله ومذهبه ولو ثبتت الزيادة فهي أيضا محمولة على هذه الحالة أي هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ضيق المكان على أن الأحاديث إن تعارضت وجب المصير إلى المعقول الذي لأجله يتقدم الإمام وهو ما ذكرنا أنه يتقدم لئلا يشتبه حاله وهذا المعنى موجود فيما نحن فيه غير أن ههنا لو قام الإمام وسطهما لا يكره لورود الأثر وكون التأويل من باب الاجتهاد وإن كان مع الإمام رجل واحد أو صبي يعقل الصلاة يقف عن يمين الإمام لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال بت عند خالتي ميمونة لأراقب صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نامت العيون وغارت النجوم وبقي الحي القيوم ثم قرأ آخر آل عمران إن في خلق السماوات والأرض الآيات ثم قام إلى شن

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ١٥٨

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/١٥٨)