البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

كتاب الصلاة › فصل وأما شرائط الأركان

وروي عن ابن عمر عن النبي أنه قال من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام وليجعلها تطوعا ثم ليقضي ( ( ( ليقض ) ) ) ما تذكر ثم ليعد ما كان صلاة مع الإمام وهذا عين مذهبنا أنه تفسد الفرضية للصلاة إذا تذكر الفائتة فيها ويلزمه الإعادة بخلاف حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان لأنا إنما عرفنا كون هذا الوقت وقتا للوقتية بنص الكتاب والسنة المتواترة والإجماع وعرفنا كونه وقتا للفائتة بخبر الواحد والعمل بخبر الواحد إنما يجب على وجه لا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به والاشتغال بالفائتة عند ضيق الوقت إبطال العمل به لأنه تفويت للوقتية عن الوقت وكذا عند كثرة الفوائت لأن الفوائت إذا كثرت تستغرق الوقت فتفوت الوقتية عن وقتها ولأن الشرع إنما جعل الوقت وقتا للفائتة لتدارك ما فات فلا يصير وقتا لها على وجه يؤدي إلى تفويت صلاة أخرى وهي الوقتية ولأن جعل الشرع وقت التذكر وقتا للفائتة على الإطلاق ينصرف إلى وقت ليس بمشغول لأن المشغول لا يشغل كما انصرف إلى وقت لا تكره الصلاة فيه وأما النسيان فلأن خبر الواحد جعل وقت التذكر وقتا للفائتة ولا تذكر ههنا فلم يصر الوقت وقتا للفائتة فبقي وقتا للوقتية فأما ههنا فقد وجد التذكر فكان الوقت للفائتة بخبر الواحد وليس في هذا إبطال العمل بالدليل المقطوع به بل هو جمع بين الدلائل إذ لا يفوته شيء من الصلوات عن وقتها وليس فيه أيضا شغل ما هو مشغول وهذا لأنه لو أخر الوقتية وقضى الفائتة تبين أن وقت الوقتية ما تصل ( ( ( اتصل ) ) ) به الأداء وأن ما قبل ذلك لم يكن وقتا لها بل كان وقتا للفائتة بخبر الواحد فلا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به فأما عند ضيق الوقت وإن لم يتصل به أداء الوقتية لا يتبين أنه ما كان وقتا له حتى تصير الصلاة فائتة وتبقى دينا عليه وعلى هذا الخلاف الترتيب في الفوائت أنه كما يجب مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائتة عندنا يجب مراعاته بين الفوائت إذا كانت الفوائت في حد القلة عندنا أيضا لأن قلة الفوائت لم تمنع وجوب الترتيب في الأداء فكذا في القضاء والأصل فيه ما روي أن النبي لما شغل عن أربع صلوات يوم الخندق قضاهن بعد هوي من الليل على الترتيب ثم قال صلوا كما رأيتموني أصلي ويبني على هذا إذا ترك الظهر والعصر يومين مختلفين ولا يدري أيتهما أولى فإنه يتحرى لأنه اشتبه عليه أمر لا سبيل إلى الوصول إليه بيقين وهو الترتيب فيصار إلى التحري لأنه عند انعدام الأدلة قام مقام الدليل الشرعي كما إذا اشتبهت عليه القبلة فإن مال قلبه إلى شيء عمل به لأنه جعل كالثابت بالدليل وإن لم يستقر قلبه على شيء وأراد الأخذ بالثقة يصليهما ثم يعيد ما صلى أولا أيتهما كانت إلا أن البداءة بالظهر أولى لأنها أسبق وجوبا في الأصل فيصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر لأن الظهر لو كانت هي التي فاتت أولا فقد وقعت موقعها وجازت وكانت الظهر التي أداها بعد العصر ثانية نافلة له ولو كانت العصر هي المتروكة أولا كانت الظهر التي أداها قبل العصر نافلة له فإذا أدى العصر بعدها فقد وقعت موقعها وجازت ثم إذا أدى الظهر بعدها وقعت موقعها وجازت فيعمل كذلك ليخرج عما عليه بيقين وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا نأمره إلا بالتحري كذا ذكره أبو الليث ولم يذكر أنه إذا استقر قلبه على شيء كيف يصنع عندهما وذكر الشيخ الإمام صدر الدين أبو المعين أنه يصلي كل صلاة مرة واحدة وقيل لا خلاف في هذه المسألة على التحقيق لأنه ذكر الاستحباب على قول أبي حنيفة وهما ما بينا الاستحباب وذكر عدم وجوب الإعادة على قولهما وأبو حنيفة ما أوجب الإعادة وجه قولهما أن الواجب في موضع الشك والاشتباه هو التحري والعمل به لا الأخذ باليقين ألا ترى أن من شك في جهة القبلة يؤمر ( ( ( يعمل ) ) ) بالتحري ولا يأخذ باليقين بأن يصلي صلاة واحدة أربع مرات إلى أربع جهات وكذا من شك في صلاة واحدة فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا يتحرى ولا يبني على اليقين وهو الأقل كذا هذا ولأنه لو صلى إحدى الصلاتين مرتين فإنما يصلي مراعاة للترتيب والترتيب في هذه الحالة ساقط لأنه حين بدأ بإحداهما لم يعلم يقينا أن عليه صلاة أخرى قبل هذه لتصير هذه مؤداة قبل وقتها فسقط عنه الترتيب ولأبي حنيفة أنه مهما أمكن الأخذ باليقين كان أولى إلا إذا تضمن فسادا كما في مسألة القبلة فإن الأخذ بالثقة ثمة يؤدي إلى الفساد

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ١٣٢

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/١٣٢)