البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

كتاب الصلاة › فصل وأما شرائط الأركان

كان هذا الرجل لم يأت مكة أجزأه لأن عنده أن البيت والمقام واحد وإن كان قد أتى مكة لا يجوز لأنه عرف أن المقام غير البيت ومنها التحريمة وهي تكبيرة الافتتاح وإنها شرط صحة الشروع في الصلاة عند عامة العلماء وقال ابن علية وأبو بكر الأصم أنها ليست بشرط ويصح الشروع في الصلاة بمجرد النية من غير تكبير فزعما أن الصلاة أفعال وليست بأذكار حتى أنكر افتراض القراءة في الصلاة على ما ذكرنا فيما تقدم ولنا قول النبي لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر نفى قبول الصلاة بدون الكبير ( ( ( التكبير ) ) ) فدل على كونه شرطا لكن إنما يؤخذ هذا الشرط على القادر دون العاجز فلذلك جازت صلاة الأخرس ولأن الأفعال أكثر من الأذكار فالقادر على الأفعال يكون قادرا على الأكثر وللأكثر حكم الكل فكأنه قدر على الأذكار تقديرا ثم لا بد من بيان صفة الذكر الذي يصير به شارعا في الصلاة وقد اختلف فيه فقال أبو حنيفة ومحمد يصح الشروع في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير مثل أن يقول الله أكبر الله الأكبر الله الكبير الله أجل الله أعظم أو يقول الحمد لله أو سبحان الله أو لا إله إلا الله وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو أن يقول الرحمن أعظم الرحيم أجل سواء كان يحسن التكبير أو لا يحسن وهو قول إبراهيم النخعي وقال أبو يوسف لا يصير شارعا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير وهي ثلاثة الله أكبر الله الأكبر الله الكبير إلا إذا كان لا يحسن التكبير أو لا يعلم أن الشروع بالتكبير وقال الشافعي لا يصير شارعا إلا بلفظين الله أكبر الله الأكبر وقال مالك لا يصير شارعا إلا بلفظ واحد وهو الله أكبر واحتج بما روينا من الحديث وهو قوله لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر نفى القبول بدون هذه اللفظة فيجب مراعاة عين ما ورد به النص دون التعليل إذ التعليل للتعدية لا لإبطال حكم النص كما في الأذان ولهذا لا يقام السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة وبهذا يحتج الشافعي إلا أنه يقول في الأكبر أتى بالمشروع وزيادة شيء فلم تكن الزيادة مانعة كما إذا قال الله أكبر كبيرا فأما العدول عما ورد الشرع به فغير جائز وأبو يوسف يحتج بقول النبي وتحريمها التكبير والتكبير حاصل بهذه الألفاظ الثلاثة فإن أكبر هو الكبير قال الله تعالى وهو أهون عليه أي هين عليه عند بعضهم إذ ليس شيء أهون على الله من شيء بل الأشياء كلها بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشيء واحد والتكبير مشتق من الكبرياء والكبرياء تنبىء عن العظمة والقدم يقال هذا أكبر القوم أي أعظمهم منزلة وأشرفهم قدرا ويقال هو أكبر من فلان أي أقدم منه فلا يمكن إقامة غيره من الألفاظ مقامه لانعدام المساواة في المعنى إلا أنا حكمنا بالجواز إذا لم يحسن أو لا يعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير للضرورة وأبو حنيفة ومحمد احتجا بقوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى والمراد منه ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة لأنه عقب الصلاة بالذكر ( ( ( الذكر ) ) ) بحرف يوجب التعقيب بلا فصل والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح فقد شرع الدخول في الصلاة بمطلق الذكر فلا يجوز التقييد باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد وبه تبين أن الحكم تعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص وأن الحديث معلول به لأنا إذا عللناه بما ذكر بقي معمولا به من حيث اشتراط مطلق الذكر ولو لم نعلل احتجنا إلى رده أصلا لمخالفته الكتاب فإذا ترك التعليل هو المؤدي إلى إبطال حكم النص دون التعليل على أن التكبير يذكر ويراد به التعظيم قال تعالى وكبره تكبيرا أي عظمه تعظيما وقال تعالى فلما رأينه أكبرنه أي عظمنه وقال تعالى وربك فكبر أي فعظم فكان الحديث وارد ( ( ( واردا ) ) ) بالتعظيم وبأي اسم ذكر فقد عظم الله تعالى وكذا من سبح الله تعالى فقد عظمه ونزهه عما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدث فصار واصفا له بالعظمة والقدم وكذا إذا هلل لأنه إذا وصفه بالتفرد والألوهية فقد وصفه بالعظمة والقدم لاستحالة ثبوت الإلهية دونهما وإنما لم يقم السجود على الخد مقام السجود على الجبهة للتفاوت في التعظيم كما في الشاهد بخلاف الأذان لأن المقصود منه هو الإعلام وأنه لا يحصل إلا بهذه الكلمات المشهورة المتعارفة فيما بين الناس حتى لو حصل الإعلام بغير هذه الألفاظ يجوز كذا روى الحسن عن أبي حنيفة وكذا روى أبو يوسف في الأمالي والحاكم في المنتقى والدليل على أن قوله الله أكبر أو الرحمن أكبر سواء قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ١٣٠

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/١٣٠)