وقوله: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} 1 الآية. الشفعاء: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} 2 وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير، يأمر عباده بإخلاص العبادة له، وينهاهم عن عبادة ما سواه ويعظم عقوبته كما جرى على الأمم المكذبة للرسل فيما جاءوهم به من التوحيد والنهي عن الشرك، فأوقع الله تعالى بهم ما أوقع كقوم نوح وعاد وثمود ونحوهم؛ فإنهم عصوا الرسل فيما أمروهم به من التوحيد وتمسكوا بالشرك وقالوا لنوح: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} 3، وقالوا لهود: {ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} 4 الآيات. وقالوا لصالح: {قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} 5، وقالوا لشعيب: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} 6. فتدبر ما قص الله تعالى في كتابه مما دعت إليه الرسل وما أوقع بمن عصاهم؛ فإن الله تعالى أقام به الحجة على كل مشرك إلى يوم القيامة، وأما ما ورد في معنى الآية عن ابن مسعود قال: " كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم. " "قلت ": وهذا لا يخالف ما تقدم؛ لأن هذه الآية حجة على كل من دعا مع الله وليا من الأولين والآخرين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في هذه الآية، وهذه الأقوال كلها حق؛ فإن الآية تعم من كان معبوده عابدا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر. وقوله: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} 7 الآيات. الكلمة هي لا إله إلا الله بإجماع أهل العلم، وقد عبر عنها الخليل عليه السلام بمعناها الذي أريد به فعبر عن المنفي بها بقوله: {إنني براء مما تعبدون} 8، وعبر عما أثبتته بقوله: {إلا الذي فطرني} 9 فقصر العبادة على الله وحده ونفاها عن كل ما سواه ببراءته من ذلك، فما أحسن التفسير لهذه الكلمة وما أعظمه. قال العماد ابن كثير في قوله
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين
عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت ١٢٨٥هـ)
ت. بشير محمد عيون · مكتبة المؤيد · الطائف · ١٤١١هـ · نص مشروع OpenITI
كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين · الجزء ١ · ص ٤٦
الإحالة: (عبد الرحمن بن حسن، ت ١٢٨٥هـ: ١/٤٦)