البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الواقعة › [سورة الملك (67) : آية

صراطا معوجا في تأمله وترسمه آثار السير في الطريق غير المستقيم خشية أن يضل فيه، بحال المكب على وجهه يتوسم حال الطريق وقرينة ذلك مقابلته بقوله: سويا المشعر بأن مكبا أطلق على غير السوي وهو المنحني المطاطئ يتوسم الآثار اللائحة من آثار السائرين لعله يعرف الطريق الموصلة إلى المقصود. فالمشرك يتوجه بعبادته إلى آلهة كثيرة لا يدري لعل بعضها أقوى من بعض وأعطف على بعض القبائل من بعض، فقد كانت ثقيف يعبدون اللات، وكان الأوس والخزرج يعبدون مناة ولكل قبيلة إله أو آلهة فتقسموا الحاجات عندها واستنصر كل قوم بآلهتهم وطمعوا في غنائها عنهم وهذه حالة يعرفونها فلا يمترون في أنهم مضرب المثل الأول، وكذلك حال أهل الإشراك في كل زمان، ألا تسمع ما حكاه الله عن يوسف عليه السلام من قوله: أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف: 39] . وينور هذا التفسير أنه يفسره قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] وقوله: قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين [يوسف: 108] ، فقابل في الآية الأولى الصراط المستقيم المشبه به الإسلام بالسبل المتفرقة المشبه بها تعداد الأصنام، وجعل في الآية الثانية الإسلام مشبها بالسبيل وسالكه يدعو ببصيرة ثم قابل بينه وبين المشركين بقوله: وما أنا من المشركين [يوسف: 108] . فالآية تشتمل على ثلاث استعارات تمثيلية فقوله يمشي مكبا على وجهه تشبيه لحال المشرك في تقسم أمره بين الآلهة طلبا للذي ينفعه منها الشاك في انتفاعه بها، بحال السائر قاصدا أرضا معينة ليست لها طريق جادة فهو يتتبع بنيات الطريق الملتوية وتلتبس عليه ولا يوقن بالطريقة التي تبلغ إلى مقصده فيبقى حائرا متوسما يتعرف آثار أقدام الناس وأخفاف الإبل فيعلم بها أن الطريق مسلوكة أو متروكة. وفي ضمن هذه التمثيلية تمثيلية أخرى مبنية عليها بقوله: مكبا على وجهه بتشبيه حال المتحير المتطلب للآثار في الأرض بحال المكب على وجهه في شدة اقترابه من الأرض. وقوله: أمن يمشي سويا تشبيه لحال الذي آمن برب واحد الواثق بنصر ربه وتأييده وبأنه مصادف للحق، بحال الماشي في طريق جادة واضحة لا ينظر إلا إلى اتجاه وجهه فهو مستو في سيره.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · ص ٤٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٥)