البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية

اختصوا به، فمناسبة ذكر فضائل إبراهيم ومنزلته عند ربه ودعوته لعقبه عقب ذكر أحوال بني إسرائيل، هي الاتحاد في المقصد، فإن المقصود من تذكير بني إسرائيل بالنعم والتخويف، تحريضهم على الإنصاف في تلقي الدعوة الإسلامية والتجرد من المكابرة والحسد وترك الحظوظ الدنيوية لنيل السعادة الأخروية. والمقصود من ذكر قصة إبراهيم موعظة المشركين ابتداء وبني إسرائيل تبعا له، لأن العرب أشد اختصاصا بإبراهيم من حيث إنهم يزيدون على نسبهم إليه بكونهم حفظة حرمه، ومنتمين قديما للحنيفية ولم يطرأ عليهم دين يخالف الحنيفية بخلاف أهل الكتابين. فحقيق أن نجعل قوله وإذ ابتلى عطفا على قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30] كما دل عليه افتتاحه بإذ على نحو افتتاح ذكر خلق آدم بقوله: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة فإن الأول تذكير بنعمة الخلق الأول وقد وقع عقب التعجب من كفر المشركين بالخالق في قوله: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [البقرة: 28] ، عقبت تلك التذكرة بإنذار من كيفر بآيات الله من ذرية آدم بقوله: فإما يأتينكم مني هدى [البقرة: 38] الآية، ثم خص من بين ذرية آدم بنو إسرائيل الذين عهد إليهم على لسان موسى عهد الإيمان وتصديق الرسول الذي يجيء مصدقا لما معهم، لأنهم صاروا بمنزلة الشهداء على ذرية آدم. فتهيأ المقام لتذكير الفريقين بأبيهم الأقرب وهو إبراهيم أي وجه يكون المقصود بالخطاب فيه ابتداء العرب، ويضم الفريق الآخر معهم في قرن، ولذلك كان معظم الثناء على إبراهيم بذكر بناء البيت الحرام وما تبعه إلى أن ذكرت القبلة وسط ذلك، ثم طوى بالانتقال إلى ذكر سلف بني إسرائيل بقوله: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت [البقرة: 133] ليفضي إلى قوله: وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا [البقرة: 135] فيرجع إلى تفضيل الحنيفية والإعلام بأنها أصل الإسلام وأن المشركين ليسوا في شيء منها وكذلك اليهود والنصارى. وقد افتتح ذكر هذين الطورين بفضل ذكر فضل الأبوين آدم وإبراهيم، فجاء الخبران على أسلوب واحد على أبدع وجه وأحكم نظم. فتعين أن تقدير الكلام واذكر إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات. ومن الناس من زعم أن قوله: وإذ ابتلى عطف على قوله نعمتي [البقرة: 122] أي اذكروا نعمتي وابتلائي

التحرير والتنوير · الجزء ١ · ص ٧٠٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٧٠٠)