سورة النحل › [سورة النحل (16) : آية
مع الإعلام بأنها مقامة على أصول ملة إبراهيم. وليس المراد أوحينا إليك كلمة اتبع ملة إبراهيم حنيفا لأن النبيء صلى الله عليه وسلم لا يعلم تفاصيل ملة إبراهيم، فتعين أن المراد أن الموحى به إليه منبجس من شريعة إبراهيم- عليه السلام-. وقوله: وما كان من المشركين هو مما أوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم المحكي بقوله: ثم أوحينا إليك، وهو عطف على حنيفا على كلا الوجهين في صاحب ذلك الحال، فعلى الوجه الأول يكون الحال زيادة تأكيد لقوله قبله: ولم يك من المشركين [سورة النحل: 120] ، وعلى الوجه الثاني يكون تنزيها لشريعة الإسلام المتبعة لملة إبراهيم من أن يخالطها شيء من الشرك. ونفي كونه من المشركين هنا بحرف ما النافية لأن ما إذا نفت فعل كان أفادت قوة النفي ومباعدة المنفي. وحسبك أنها يبنى عليها الجحود في نحو: ما كان ليفعل كذا. فحصل من قوله السابق ولم يك من المشركين [النحل: 120] ومن قوله هنا: وما كان من المشركين ثلاث فوائد: نفي الإشراك عن إبراهيم في جميع أزمنة الماضي، وتجدد نفي الإشراك تجددا مستمرا، وبراءته من الإشراك براءة تامة. وقد علم من هذا أن دين الإسلام منزه عن أن تتعلق به شوائب الإشراك لأنه جاء كما جاء إبراهيم معلنا توحيدا لله بالإلهية ومجتثا لوشيج الشرك. والشرائع الإلهية كلها وإن كانت تحذر من الإشراك فقد امتاز القرآن من بينها بسد المنافذ التي يتسلل منها الإشراك بصراحة أقواله وفصاحة بيانه، وأنه لم يترك في ذلك كلاما متشابها كما قد يوجد في بعض الكتب الأخرى، مثل ما جاء في التوراة من وصف اليهود بأبناء الله، وما في الأناجيل من موهم بنوة عيسى- عليه السلام- لله سبحانه عما يصفون.