البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنفال» › سورة الأنفال (8) : الآيات 55 إلى 57

فلم يدخل على الفعل نون التوكيد. والثقف: الظفر بالمطلوب، أي: فإن وجدتهم وظفرت بهم في حرب، أي انتصرت عليهم. والتشريد: التطريد والتفريق، أي: فبعد بهم من خلفهم، وقد يجعل التشريد كناية عن التخويف والتنفير. وجعلت ذوات المتحدث عنهم سبب التشريد باعتبارها في حال التلبس بالهزيمة والنكال، فهو من إناطة الأحكام بالذوات والمراد أحوال الذوات مثل حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] . وقد علم أن متعلق تشريد من خلفهم هو ما أوجب التنكيل بهم وهو نقض العهد. والخلف هنا مستعار للاقتداء بجامع الاتباع، ونظيره (الوراء) . في قول ضمام بن ثعلبة: «وأنا رسول من ورائي» . وقال وفد الأشعريين للنبيء صلى الله عليه وسلم: «فمرنا بأمر نأخذ به ونخبر به من وراءنا» ، والمعنى: فاجعلهم مثلا وعبرة لغيرهم من الكفار الذين يترقبون ماذا يجتني هؤلاء من نقض عهدهم فيفعلون مثل فعلهم، ولأجل هذا الأمر نكل النبيء صلى الله عليه وسلم بقريظة حين حاصرهم ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية، فقتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وكانوا أكثر من ثمانمائة رجل. وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر بالإغلاظ على العدو لما في ذلك من مصلحة إرهاب أعدائه، فإنهم كانوا يستضعفون المسلمين، فكان في هذا الإغلاظ على الناكثين تحريض على عقوبتهم، لأنهم استحقوها. وفي ذلك رحمة لغيرهم لأنه يصد أمثالهم عن النكث ويكفي المؤمنين شر الناكثين الخائنين. فلا تخالف هذه الشدة كون الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة للعالمين، لأن المراد أنه رحمة لعموم العالمين وإن كان ذلك لا يخلو من شدة على قليل منهم كقوله تعالى: ولكم في القصاص حياة [البقرة: 179] .

التحرير والتنوير · الجزء ١٠ · ص ٥٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٥٠)