البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › سورة النساء (4) : آية 171

واستعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشروع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال. والغلو في الدين أن يظهر المتدين ما يفوت الحد الذي حدد له الدين. ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصادقين. وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم منهم: فاليهود طولبوا باتباع التوراة ومحبة رسولهم، فتجاوزوه إلى بغضة الرسل كعيسى ومحمد- عليهما السلام-، والنصارى طولبوا باتباع المسيح فتجاوزوا فيه الحد إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله، مع الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: ولا تقولوا على الله إلا الحق عطف خاص على عام للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع. وفعل القول إذا عدي بحرف (على) دل على أن نسبة القائل القول إلى المجرور ب (على) نسبة كاذبة، قال تعالى: ويقولون على الله الكذب [آل عمران: 78] . ومعنى القول على الله هنا: أن يقولوا شيئا يزعمون أنه من دينهم، فإن الدين من شأنه أن يتلقى من عند الله. وقوله: إنما المسيح عيسى ابن مريم جملة مبينة للحد الذي كان الغلو عنده، فإنه مجمل ومبينة للمراد من قول الحق. ولكونها تتنزل من التي قبلها منزلة البيان فصلت عنها. وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث: صفة الرسالة، وصفة كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحا من عند الله. فالقصر قصر موصوف على صفة. والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوهم في هذه الصفات غلوا أخرجها عن كنهها فإن هذه الصفات ثابتة لعيسى، وهم مثبتون لها فلا ينكر عليهم وصف عيسى بها، لكنهم تجاوزوا الحد المحدود لها فجعلوا الرسالة النبوة، وجعلوا الكلمة اتحاد حقيقة الإلهية بعيسى في بطن مريم فجعلوا

التحرير والتنوير · الجزء ٦ · ص ٥١

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٥١)