البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › [سورة النساء (4) : آية

الردع عن فعل ما لا ينبغي، ومنه سميت حكمة اللجام، وهي الحديدة التي تجعل في فم الفرس، ويقال: أحكم فلانا، أي أمسكه. والعدل: ضد الجور، فهو في اللغة التسوية، يقال: عدل كذا بكذا، أي سواه به ووازنه عدلا ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] ، ثم شاع إطلاقه على إيصال الحق إلى أهله، ودفع المعتدي على الحق عن مستحقه، إطلاقا ناشئا عما اعتاده الناس أن الجور يصدر من الطغاة الذين لا يعدون أنفسهم سواء مع عموم الناس، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا، وإن شاءوا جاروا وظلموا، قال لبيد: ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمر لحقوقها هضامها (1) فأطلق لفظ العدل- الذي هو التسوية- على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، وذلك فك الشيء من يد المعتدي، لأنه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين، فهو كناية غالبة. ومظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحق بأخذ حقه ممن اعتدى عليه، ولذلك قال تعالى هنا: إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، ثم توسعوا في هذا الإطلاق حتى صار يطلق على إبلاغ الحق إلى ربه ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع. والعدل: مساواة بين الناس أو بين أفراد أمة: في تعيين الأشياء لمستحقها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه، بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأول هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء بدون استحقاق. فالعدل وسط بين طرفين، هما: الإفراط في تخويل ذي الحق حقه، أي بإعطائه أكثر من حقه، والتفريط في ذلك، أي بالإجحاف له من حقه، وكلا الطرفين يسمى جورا، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته، كإعطاء المال بيد السفيه، أو تأخيره كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد، ولذلك قال تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم - إلى قوله: فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [النساء: 5، 6] فالعدل يدخل في جميع المعاملات. وهو حسن في الفطرة لأنه كما يصد المعتدي عن اعتدائه،

التحرير والتنوير · الجزء ٥ · ص ٩٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٩٤)