البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البروج › [سورة البلد (90) : الآيات 11 إلى

أفلا أهلكه في القرب والفضائل بفك الرقاب وإطعام المساكين في زمن المجاعة فإن الإنفاق في ذلك لا يخفى على الناس خلافا لما يدعيه من إنفاق. وعلى هذا الوجه لا يعرض الإشكال بعدم تكرر (لا) فإن شأن (لا) النافية إذا دخلت على فعل المضي ولم تتكرر أن تكون للدعاء إلا إذا تكررت معها مثلها معطوفة عليها نحو قوله: فلا صدق ولا صلى [القيامة: 31] أو كانت (لا) معطوفة على نفي نحو: ما خرجت ولا ركبت. فهو في حكم تكرير (لا) . وقد جاءت هنا نافية في غير دعاء، ولم تتكرر استغناء عن تكريرها بكون ما بعدها وهو اقتحم العقبة يتضمن شيئين جاء بيانهما في قوله: فك رقبة أو إطعام فكأنه قال: فلا فك رقبة ولا أطعم يتيما أو مسكينا. ويجوز أن يكون عدم تكرير (لا) هنا استغناء بقوله: ثم كان من الذين آمنوا فكأنه قيل: فلا اقتحم العقبة ولا آمن. ويظهر أن كل ما يصرف عن التباس الكلام كاف عن تكرير (لا) كالاستثناء في قول الحريري في «المقامة الثلاثين» : «لا عقد هذا العقد المبجل في هذا اليوم الأغر المحجل إلا الذي جال وجاب» إلخ وأطلق العقبة على العمل الموصل للخير لأن عقبة النجد أعلى موضع فيه. ولكل نجد عقبة ينتهي بها. وفي العقبات تظهر مقدرة السابرة. والاقتحام: الدخول العسير في مكان أو جماعة كثيرين يقال: اقتحم الصف، وهو افتعال للدلالة على التكلف مثل اكتسب، فشبه تكلف الأعمال الصالحة باقتحام العقبة في شدته على النفس ومشقته قال تعالى: وما يلقاها إلا الذين صبروا [فصلت: 35] . والاقتحام: ترشيح لاستعارة العقبة لطريق الخير، وهو مع ذلك استعارة لأن تزاحم الناس إنما يكون في طلب المنافع كما قال: والمورد العذب كثير الزحام وأفاد نفي الاقتحام أنه عدل على الاهتداء إيثارا للعاجل على الآجل ولو عزم وصبر لاقتحم العقبة. وقد تتابعت الاستعارات الثلاث: النجدين، والعقبة، والاقتحام، وبني بعضها على بعض وذلك من أحسن الاستعارة وهي مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس.

التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · ص ٣٥٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٥٦)