كتاب إرخاء الستور › فصل في الخلع
أمسكها وإن كرهها فارقها، ولا يحل له إذا كرهها أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه وإن أتت بفاحشة من زنا أو نشوز أو بذاء لقول الله عز وجل: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 20] {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا} [النساء: 21] ، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم فيه. ومن أهل العلم من أباح للرجل إذا اطلع على زوجته بزنا أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه لقول الله عز وجل: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] ، وتأول أن الفاحشة المبينة هو الزنا هاهنا، وجعل الاستثناء متصلا، ومنهم من تأول أن الفاحشة المبينة البغض والنشوز والبذاء باللسان، فأباح للزوج إذا أبغضته زوجته ونشزت عليه وبذأت بلسانها عليه أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه. ومنهم من حمل الفاحشة على العموم فأباح ذلك للزوج كانت الفاحشة التي أتت بها زنا أو نشوزا أو بذاء باللسان أو ما كانت. والصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله -؛ لأنه إذا ضيق عليها حتى تفتدي منه فقد أخذ مالها بغير طيب نفس منها، ولم يبح الله ذلك إلا عن طيب نفسها فقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] ، والآية التي احتجوا بها لا حجة لهم فيها؛ لأن الفاحشة المبينة من جهة النطق أن تبذأ عليه وتشتم عرضه وتخالف أمره؛ لأن كل فاحشة أتت في القرآن منعوتة بمبينة فهي من جهة النطق، وكل فاحشة أتت فيه مطلقة فهي الزنا، والاستثناء المذكور فيها منفصل. فمعنى الآية: لكن إن نشزن عليكم وخالفن أمركم حل لكم ما ذهبتم به من أموالهن، ومعناه إذا كان ذلك عن طيب أنفسهن، ولا يكون ذلك عن طيب أنفسهن إلا إذا لم يكن منهم إليهن ضرر ولا تضييق. فعلى هذا التأويل تتفق آي القرآن ولا تتعارض. وقد قيل في تأويل الآية غير هذا، وهذا أحسن.